أنوار من جامع الجزائر

حقوق الطفل – الجزء الثاني والأخير –

حقوق الطفل – الجزء الثاني والأخير –

كما حرَّمَ الـإسلامُ الـتَّمييزَ بينَ الـأبناءِ سواءٌ بينَ الـذُّكورِ والـإناثِ، أو بينَ الـصِّغارِ والـكبارِ في الـهباتِ والـأعطياتِ، ضماناً لِحقِّ الـمساواةِ والـعدلِ بينَهُم، وبيانُ ذَلِكَ في حادثةِ الـنُّعمانِ بنِ بشيرٍ -رضيَ اللَّهُ عنهُما- كما عندَ الـبخاريِّ قالَ: (أعطاني أبي عطيةً، فقالت عمرةُ بنتُ رواحةَ: لا أرضى حتَّى تُشهدَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فأتى رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: إنِّي أعطيتُ ابني مِن عمرةَ بنتِ رواحةَ عطيةً، فأمرتني أن أُشهدَك يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: أعطيتَ سائرَ ولدِك مثلَ هذا؟ قالَ: لا، قالَ: فاتَّقوا اللَّهَ واعدلوا بينَ أولادِكُم، قالَ: فرجعَ فردَّ عطيتَهُ). ولا يخفى على أحدٍ ما في الـتَّمييزِ بينَ الـأولادِ مِن خطرِ نُموِّ بذورِ الـحقدِ والـعداواتِ، ونهيُ الـشَّريعةِ عن ذَلِكَ سدٌّ لِذرائعِ الـشرِّ في نُفوسِ الـأطفالِ، وتنميةٌ لِروحِ الـأُخوَّةِ والـسَّلامةِ الـنَّفسيَّةِ. ثمَّ يتدرَّجُ الـتَّشريعُ الـإسلاميُّ معَ الـطِّفلِ حتَّى يُصبحَ شابّاً بالغاً مُكلَّفاً، وذَلِكَ مِن خِلالِ الـتَّربيةِ وغرسِ الـقيمِ والـأخلاقِ الَّتي تبدأُ مُنذُ بدايةِ وعيِهِ، فقد كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُعلِّمُ صغارَ الـصَّحابةِ ما تستوعبُهُ عقولُهُم مِن أصولٍ ومعانٍ كما فعلَ معَ عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ -رضيَ اللَّهُ عنهُما- فيما رواهُ الـترمذيُّ قالَ: كُنتُ خلفَ الـنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ لِي: يا غلامُ إنِّي أُعلِّمُك كلماتٍ: احفظِ اللَّهَ يحفظك، احفظِ اللَّهَ تجدُهُ تجاهك، إذا سألتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعنتَ فاستعن بِاللَّهِ، واعلم أنَّ الـأمةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بِشيءٍ، لَم ينفعوك إلَّا بِشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَك، وإنِ اجتمعوا على أن يضرُّوك بِشيءٍ، لَم يضرُّوك إلَّا بِشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليك، رُفعت الـأقلامُ وجفَّتِ الـصُّحفُ”. والـشَّاهدُ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عبَّاسٍ كانَ غلاماً يافعاً، ولَم يُفوِّتِ الـنَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ هذهِ الـفرصةَ لِيُعلِّمَهُ مِنَ الـآدابِ الـنَّبويَّةِ وعلومِ الـتَّوحيدِ مِمَّا يُناسبُ سِنَّهُ وإدراكَهُ. وروى الـترمذيُّ عن عمرو بنِ سعيدِ بنِ الـعاصِ عن الـنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قولَهُ: «ما نحلَ والدٌ ولداً مِن نُحلٍ أفضلَ مِن أدبٍ حسنٍ». ويدخلُ فيهِ تعليمُ الـطِّفلِ ما يصلحُ بِهِ دينُهُ كالتَّوحيدِ والـعباداتِ وما يصلحُ بِهِ دُنياهُ كَالعلومِ والـحرفِ، تنفيذاً لِأمرِ الـنَّبيِّ ﷺ كما عندَ الـترمذيِّ وأبي داودَ: «مُروا أولادَكُم بِالصَّلاةِ لِسَبعٍ…»، ويظلُّ الـتَّعليمُ مستمرّاً ومتدرِّجاً حتَّى يصلَ الـطِّفلُ إلى مرحلةِ بلوغِ الـرُّشدِ والـأهليَّةِ قالَ تعالى: ﴿وابتلوا الـيتامى حتَّى إذا بلغوا الـنِّكاحَ فإن آنستم مِّنهُم رُشداً فادفعوا إليهِم أموالَهُم﴾ [الـنِّساء: 6].

إخوةَ الـإيمانِ والـإسلامِ: إنَّ هذا الـتَّشريعَ الـمتكاملَ يبيِّنُ أنَّ الـإسلامَ قد سبقَ اتِّفاقيَّاتِ حقوقِ الـطِّفلِ الـعالميَّةَ بِقرونٍ، ونظامَهُ أشملُ وأكملُ مِمَّا قرَّرتَهُ مِن حقوقٍ؛ فبينما تتحدَّثُ هذهِ الـمنظَّماتُ عن حقوقٍ مادِّيَّةٍ بعدَ الـولادةِ، يتحدَّثُ الـإسلامُ -كما سبقَ بيانُهُ- عن حقوقٍ إيمانيَّةٍ وتربويَّةٍ وعاطفيَّةٍ، تبدأُ قبلَ الـزَّواجِ، لِتُخرجَ لِلأُمَّةِ إنساناً سويّاً في نفسِهِ، قويّاً في بدنهِ، زكيّاً في خُلقِهِ، ذكيّاً في عقلِهِ. باركَ اللَّهُ لِي ولَكُم في الـقرآنِ الـكريمِ ونفعني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الـآياتِ والـذِّكرِ الـحكيمِ. أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللَّهَ لِي ولَكُم مِن كلِّ ذنبٍ فاستغفروهُ إنَّهُ هُوَ الـغفورُ الـرَّحيمُ.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر