أنوار من جامع الجزائر

المسلم أخو المسلم – الجزء الثاني والأخير-

المسلم أخو المسلم – الجزء الثاني والأخير-

أيها الإخوة الكرام: إذا كان الإسلام قد عظَّم حرمة المسلم هذا التعظيم البالغ، وقرّر صيانتها في كل الأحوال، فإن من المؤلم حقاً أن ينظر المرء إلى واقعنا المعاصر فيرى صوراً  من انتهاك هذه الحرمات في أماكن كثيرة من ديار المسلمين، وفي مقدمتها ما يتعرض له إخواننا في غزة وفلسطين وخاصة في ظلّ انشغال العالم بظروفه الراهنة وتقلّباته المتسارعة، لا يزال الكيان الصهيوني يمارس أبشع صور العدوان على أهلنا في غزة، من إبادة جماعية ممنهجة، وحصار خانق، وإغلاقٍ للمعابر، ومنعٍ لوصول المساعدات الإنسانية، مما فاقم معاناتهم وأدخلهم في أزمة مجاعة خانقة. وبين صمتٍ دوليٍّ مُريب وتخاذلٍ ظاهر، يستمرّ هذا العدوان المسعور، وتتدهور الأوضاع الإنسانية يوماً بعد يوم، في ظلّ غيابٍ تامٍّ لإعادة الإعمار، واستمرارٍ للانتهاكات المتكرّرة. وإنّ في هذا المشهد المؤلم تذكيراً عظيماً بحرمة المسلم ووجوب نصرة المظلوم، وبياناً صارخاً لخطورة التهاون في حقوق إخواننا، وهم يواجهون هذا البلاء العظيم. وإن هذه الأحداث ليست مجرد وقائع عابرة أو أخبارٍ تُسمع، بل هي ابتلاءات تكشف عن مدى حضور معاني الأخوّة الإيمانية في القلوب، وعن مقدار استشعار الأمة لمسؤوليتها تجاه أبنائها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه»، فبيّن أن من مقتضى هذه الأخوّة أن لا يترك المسلم أخاه في مواجهة الظلم وهو قادر على نصرته، ولا أن يسلمه لعدوه فيكون فريسةً بين يديه دون عونٍ أو سند. وقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، فلما استشكل الصحابة نصرة الظالم، بيّن لهم أن نصره يكون بمنعه من الظلم، وفي ذلك تقريرٌ شامل لمعنى النصرة التي تحفظ الحقوق وتمنع الاعتداء، كما ضرب صلى الله عليه وسلم أروع مثالٍ لوحدة الأمة وتكافلها بقوله: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»، وهو تصويرٌ بليغ يبيّن أن ألم جزء من الأمة يجب أن يتحول إلى شعورٍ عامٍّ يشمل سائرها. أيها الأحبة: إن هذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن الأمة جسدٌ واحد، وأن الاعتداء على جزءٍ منها هو اعتداء على كيانها كله، وأن التقاعس عن نصرة المظلوم مع القدرة نوعٌ من التقصير في حق الأخوّة الإيمانية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، وهي آية صريحة في وجوب نصرة المسلم إذا استنصر بإخوانه، كلٌّ بحسب قدرته واستطاعته، فإن عجز عن النصرة بالفعل والسلاح، لم يعجز عن نصرة الدعاء الصادق، ولا عن النصرة بالكلمة الطيبة، ولا عن نشر الوعي بالقضية، ولا عن تقديم ما يستطيع من دعمٍ مادي أو معنوي، ولا عن كفّ الأذى عن المسلمين في محيطه على أقل تقدير. نسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا المستضعفين، وأن يؤلّف بين قلوب المسلمين، وأن يجعلنا من الذين يعظّمون حرماتهم قولاً وعملاً، إنه سميعٌ قريب.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر