يوم عظيم

يوم عظيم

إنَّ انتصار الله تعالى للحق وجنده المؤمنين، وانتِقامه سبحانه من الباطل وحزبه المستكبِرين في كلِّ زمان ومكان هو نصرٌ للحق وذلَّةٌ للباطل، وغيظٌ للمتكبر، ونعمةٌ من أجلِّ نِعَمِ الله تبارك وتعالى تتجدَّد على المؤمنين على مرِّ الزمان، وفي كلِّ مكان، يقوى بذكراها الإيمان، ويتمكَّن اليقين بنصر الله تعالى لعباده المؤمنين ما نصَرُوه وصبَرُوا، واتَّقوه وجاهَدُوا، وأحسَنُوا وتوكَّلُوا، وحذروا أعداءهم وتميَّزُوا، ولم تأخُذْهم في الله لومة لائم مهما استَحكَمتْ من الشدائد الحلقات، وتَراكَمت من الباطل الظلمات، ومهما كان له ولأهله من صَولات وجَولات، فإنَّ الله تعالى قد وعَد المؤمنين الصادقين وبشَّرهم بالنصر المبين في محكم الآيات؛ كقوله تعالى ” إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ” غافر: 51. وفي قصة موسى عليه السلام مع فرعون والتي وقَعتْ في هذا الشهر الحرام عبرةٌ يعتَبِر بها كلُّ ذي عقل سليم، ويُوقِن أنَّ النصر للمؤمنين ولو بعد حين، وأنَّ العاقبة أبدًا للمتَّقِين، فإنَّ الله تعالى نصَر موسى عليه السلام وأتْباعه المؤمنين؛ إذ كانوا على الحق المبين، على فرعون اللعين وملئه المستكبرين المتجبِّرين، وذلك ما أشار الله إليه في عدد من قصص القرآن عن موسى وفرعون؛ وفي يوم عاشوراء من هذا الشهر نصَر الله تعالى موسى والمؤمنين معه مرَّة أخرى في آيةٍ كبرى، كما بيَّن سبحانه ذلك في آياتٍ على مرِّ الزمان تُتلَى؛ قال تعالى ” وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ” الشعراء: 52 – 62. فعندئذٍ أوحى الله إلى موسى: ” أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ” الشعراء: 63، فصار البحر فيما ذكَر أهل التفسير اثني عشر طريقًا، لكلِّ سبط من بني إسرائيل طريقٌ، وبعَث الله ريحًا على قعر البحر فلفحته فصار يبسًا كوجه الأرض، وأمَر الله موسى وقومَه أنْ يَسِيرُوا عليه، ودخَل فرعون وجنودُه خلفَهم على الطريق مطمئنِّين إليه، فلمَّا تَتَامَّ أصحاب موسى خارِجِين وتَتَامَّ فرعون وجندُه داخِلِين اضطمَّ عليهم البحر فأغرَقَهم الله في الماء الذي كانوا به يفتَخِرون، بعد أنْ أنجى الله موسى وقومه، وأمنهم ممَّا كانوا يحذرون؛ قال تعالى” وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ” الشعراء: 64 – 67. فما أعظم المعجزة! وما أجلَّ العبرة! إنَّ إهلاكَ الله تعالى لفرعون الطاغية، ومَن تَبِعَه من ملَئِه المستكبِرين، وإنجاءَه سبحانه موسى عليه السلام ومَن معه من المؤمنين نعمةٌ تُذكَر فتُشكَر، وموعظةٌ لكلِّ مَن طغَى وتجبَّر، فالحقُّ منصورٌ، والباطلُ مبتورٌ؛ ” قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ” سبأ: 48 – 49، وقال تعالى” بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ” الأنبياء: 18.
من موقع الألوكة الإسلامي