في المغرب، لم يعد الحديث عن العدالة مجرد نقاش تقني داخل دهاليز التشريع أو المؤسسات القضائية، بل تحول إلى ملف اجتماعي حساس يرتبط مباشرة بحياة المواطن البسيط وحقوقه اليومية، فحين تهتز منظومة العدالة، لا تتأثر النصوص القانونية وحدها، بل تمتد التداعيات إلى المتقاضين الذين ينتظرون إنصافاً قد يتأخر، وإلى أسر تبحث عن حقوق معلقة داخل مساطر طويلة ومعقدة.
وفي هذا السياق، يبرز ملف مهنة المحاماة كأحد أكثر الملفات توتراً، بعد إعلان جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن استمرار التوقف الشامل والمفتوح عن تقديم الخدمات المهنية إلى حين إشعار آخر. هذا القرار لا يمكن فصله عن النقاش الدائر حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، الذي أثار جدلاً واسعاً بين الجسم المهني والجهات الحكومية، فالمحامون يعتبرون أن مسار إعداد المشروع ومناقشته لم يلامس جوهر الإشكالات المرتبطة باستقلالية المهنة وضماناتها الأساسية، بل انحرف نحو قضايا ثانوية، على حد تعبيرهم، مما عمّق حالة التوتر وأدى إلى تصعيد غير مسبوق في شكل التوقف عن العمل. لكن الإشكال الحقيقي يتجاوز حدود الخلاف المؤسساتي، ليكشف عن أزمة أعمق في علاقة المواطن بالعدالة، فتعليق الخدمات المهنية، مهما كانت مبرراته، ينعكس مباشرة على المتقاضين الذين يجدون أنفسهم أمام تعطيل في الإجراءات وتأجيل في البت في القضايا، وهو ما يفاقم الإحساس ببطء العدالة ويضعف الثقة في قدرتها على الاستجابة الفعالة لانتظارات المجتمع. كما أن هذا الوضع يسلط الضوء على هشاشة التوازن بين أطراف منظومة العدالة، حيث تتداخل حسابات الإصلاح مع منطق الاحتجاج، في غياب أرضية توافقية واضحة تضمن استمرار المرفق القضائي في أداء وظائفه دون تعطيل. وبينما يتمسك المحامون بالدفاع عن استقلالية مهنتهم وكرامتها، يظل المواطن البسيط هو الطرف الأكثر تأثراً، باعتباره الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك أدوات التأثير فيها. وتزداد حدة الأزمة مع تباين المواقف حول مسار الإصلاح، واتهامات بغياب الاستجابة الكافية لمطالب أساسية تتعلق بضمانات المهنة وتنظيمها الذاتي، وهذا التوتر يعكس في العمق أزمة ثقة بين الفاعلين، وهي أزمة لا تقل خطورة عن الخلافات القانونية نفسها، لأنها تمس صورة العدالة في وعي المجتمع. وعليه تبدو أزمة العدالة في المغرب اليوم اختباراً حقيقياً لقدرة المنظومة على التوفيق بين الإصلاح واحترام حقوق جميع الأطراف، دون أن يكون المواطن ضحية مباشرة لهذا الصراع. فنجاح أي إصلاح قضائي لا يقاس فقط بجودة النصوص، بل بمدى شعور المواطن بأن العدالة تعمل من أجله، لا فوقه أو بعيداً عنه.
خديجة. ب
تعليق خدمات المحامين يفضح هشاشة منظومة العدالة أزمة العدالة في المغرب.. المواطن المغربي يدفع ثمن صراع المؤسسات