مع إسدال الستار على الموسم الدراسي وبداية العطلة الصيفية، تتجه أنظار آلاف العائلات الجزائرية نحو المدارس القرآنية والكتاتيب والزوايا التي تفتح أبوابها لاستقبال الأطفال والشباب الراغبين في حفظ القرآن الكريم وتعلم تلاوته، وبينما يبحث البعض عن وجهات الترفيه والاستجمام، يُفضل كثير من الأولياء استثمار العطلة في تنمية الجانب الروحي والتربوي لأبنائهم من خلال تسجيلهم في الدورات الصيفية القرآنية التي تشهد كل عام إقبالا متزايدا.
تتحول المدارس القرآنية خلال فصل الصيف إلى فضاءات نابضة بالحياة، حيث يجتمع الأطفال في أجواء يسودها الانضباط والتعاون وحب التعلم، ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على تحفيظ القرآن الكريم فحسب، بل يمتد إلى تعليم قواعد التجويد، وترسيخ القيم الأخلاقية والدينية التي يحتاجها الناشئة في حياتهم اليومية.
وتستقبل العديد من المساجد والزوايا والمدارس القرآنية أفواجا من التلاميذ من مختلف الأعمار، حيث يتم تقسيمهم إلى مجموعات حسب المستوى والعمر، بما يسمح بتقديم تعليم يتناسب مع قدرات كل فئة.
الاستثمار الأمثل
يجد الأطفال أنفسهم خلال العطلة الصيفية أمام ساعات ممتدة من الفراغ، وهو ما يدفع الكثير من الأولياء إلى البحث عن أنشطة مفيدة تشغل أوقات أبنائهم، وفي هذا السياق توفر الدورات القرآنية فرصة مناسبة للجمع بين التعليم والتربية واستغلال الوقت فيما يعود بالنفع على الطفل والمجتمع.
كما يرى مختصون في التربية أن الانخراط في مثل هذه البرامج يساعد الأطفال على اكتساب الانضباط والالتزام وتنظيم الوقت، إضافة إلى تعزيز الثقة بالنفس من خلال حفظ السور والمشاركة في المسابقات والأنشطة المختلفة.
بديل عن الإفراط في استعمال الشاشات
في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، يواجه الأولياء تحديا متزايدا يتمثل في الحد من الوقت الذي يقضيه الأبناء أمام الشاشات، لذلك أصبحت المدارس القرآنية بالنسبة للكثير من الأسر خيارا تربويا يساهم في توجيه الأطفال نحو أنشطة أكثر فائدة.
ويؤكد عدد من الأولياء أن أبناءهم يعودون من هذه الدورات بعادات إيجابية وسلوكية حسنة إلى جانب اكتساب معارف دينية جديدة تساعدهم في حياتهم اليومية.
وتضم الجزائر آلاف المساجد المنتشرة عبر مختلف ولايات الوطن، ويحتضن عدد كبير منها أقساما لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه، كما تسجل المدارس القرآنية والزوايا سنويا التحاق أعداد معتبرة من الأطفال والشباب خلال العطلة الصيفية، ما يعكس استمرار ارتباط المجتمع الجزائري بالقرآن الكريم وحرص العائلات على غرس تعاليمه في نفوس أبنائها منذ الصغر.
وتولي السلطات العمومية، ممثلة في قطاع الشؤون الدينية والأوقاف اهتماما خاصا بالتعليم القرآني، من خلال تأطير المدارس القرآنية وتشجيع مسابقات حفظ القرآن وتكريم المتفوقين فيها.
تقليد متجذر في المجتمع الجزائري
عرفت الجزائر عبر تاريخها الطويل انتشار الكتاتيب والزوايا التي لعبت دورا محوريا في تعليم القرآن الكريم والمحافظة على الهوية الوطنية والدينية، ورغم التحولات التي شهدها المجتمع وظهور وسائل تعليم حديثة، ما تزال هذه المؤسسات تحافظ على مكانتها وتحظى بثقة العائلات الجزائرية.
ويقول المتتبعون إن الجزائر تعرف حاليا نهضة علمية قرآنية نتيجة الجهد والدعم المبذول للحث على سلوك الإمامة والتوجيه والإرشاد، حسب ما أعرب عنه بميلة الأستاذ مشنان محمد إيدير مستشار وزير الشؤون الدينية والأوقاف، والذي قال في تصريح سابق إن الروح المتوقدة بالمجتمع الجزائري هي ما يدفعه للحفظ والمحافظة على كتاب الله، ولذلك – كما قال – هناك دفع كبير من الأسر الجزائرية لأبنائهم نحو المدارس القرآنية للتحلي بمبادئ وأخلاق الدين.
وأضاف مشنان بأن التعليم القرآني يعد من أهم الأنشطة المقدمة بالمساجد، مؤكدا أنه نشاط متواصل وليس محصورا على المدرسة الصيفية فحسب على حد تعبيره. وقال ذات المتدخل إن الجزائر تتميز بالمئات من المجازين من القارئين والقارئات وأن 70 في المائة من المشاركين الجزائريين في المسابقات القرآنية الدولية يحصلون على مراتب متقدمة، داعيا إلى اغتنام فرصة العطل في تحفيظ الأبناء القرآن الكريم من خلال الإقبال على المدارس القرآنية الصيفية.
لمياء. ب