وجهة مخفية تستحق الاكتشاف

بحيرة الضاية.. مرآة الطبيعة الهادئة في قلب الجزائر

بحيرة الضاية.. مرآة الطبيعة الهادئة في قلب الجزائر

بعيدا عن صخب المدن وضجيجها، تختبئ واحدة من أجمل اللوحات الطبيعية التي ما تزال تحافظ على عفويتها ونقائها.

تقع بحيرة الضاية، وهي أعلى بحيرة على مستوى سطح البحر في الجزائر، على ارتفاع 1170 مترا، بالجهة الغربية من الأطلس البليدي في الطريق بين بلديتي عين الرمانة وتمزقيدة، أي بين ولايتي المدية والبليدة، وتبعد حوالي 7 كم عن الحدود الإدارية بين ولايتي المدية وعين الدفلى (بلدية بومدفع) وهي تتبع إداريا ولاية المدية.

وبحيرة الضاية منطقة سياحية رائعة ومحمية بيئية تابعة للحظيرة الوطنية للشريعة، تزخر بمناظر خلابة وهي مقصد العديد من السياح للراحة والاستجمام، وتعد مخزنا متنوعا للثروة الحيوانية والنباتية ولعدة أنواع من الطيور كاللقلق، النسر الملكي، الحجل، البط، النسور، العقاب والعديد من الطيور المهاجرة، كما تعرف الغابة المحيطة بالبحيرة تنوعا كبيرا في الأشجار والنباتات كشجر البلوط والكستناء والقندول والأعشاب الطبية المختلفة، فالبحيرة ليست مجرد مسطح مائي عابر، بل فضاء يجمع بين السكينة والتنوع البيئي، وذاكرة المكان التي يرويها السكان والزوار على حد سواء.

 

رحلة تبدأ قبل الوصول

منذ اللحظة الأولى للوصول إلى المنطقة، يشعر الزائر وكأنه دخل عالما مختلفا، حيث تمتد المساحات الخضراء على مد البصر، وتتعانق الأشجار مع صفحة الماء في مشهد يبعث على الهدوء، إضافة إلى أن الطريق المؤدي إلى البحيرة يمر عبر أراض فلاحية ومناطق شبه غابية، ما يجعل الرحلة في حد ذاتها تجربة تستحق الاكتشاف، ومع اقترابك من المكان، يبدأ الهواء في التغير ليُصبح أكثر نقاءً محمّلا برائحة الطبيعة الرطبة وصوت الطيور التي تُعلن حضورها في كل زاوية.

 

حين تتحول البحيرة إلى فضاء اللمّة

مع اعتدال الطقس وتفتح الأزهار تعرف بحيرة الضاية إقبالا لافتا من العائلات الجزائرية التي تبحث عن متنفس طبيعي بسيط بعيدا عن صخب المدن، فبمجرد حلول عطلة نهاية الأسبوع تتحول ضفاف البحيرة إلى فضاء حي يجمع مختلف الأعمار، حيث تفترش العائلات الأرض ويعلو صوت ضحكات الأطفال وهم يركضون بحرية في محيط آمن ومفتوح، فيتحول المكان إلى ما يشبه نزهة جماعية تعيد أجواء تقاليد الخروج للطبيعة التي ما تزال راسخة في المجتمع الجزائري.

 

تنوع بيئي وحياة نابضة

تُعد بحيرة الضاية واحدة من أهم المناطق الرطبة في الجهة الغربية من الجزائر، إذ تُشكل موطنا لعدد كبير من الطيور خاصة خلال موسم الهجرة، هنا يُمكن للزائر أن يلمح أنواعا مختلفة من الطيور المائية وهي تُحلق فوق سطح الماء أو تستقر على ضفافه في مشهد يختلط فيه الجمال بالحياة البرية، هذا التنوع البيئي جعل البحيرة مقصدا لهواة التصوير ومُحبي مراقبة الطيور الذين يجدون فيها فرصة للاقتراب من الطبيعة دون حواجز.

 

ملاذ للهدوء والهروب من الروتين

جمال بحيرة الضاية لا يقتصر على ما تراه العين فقط، بل يتعداه إلى إحساس داخلي بالسكينة، فكثير من الزوار يأتون إلى هنا هربا من ضغوط الحياة اليومية، وبحثا عن لحظات من التأمل والهدوء، بعضهم يختار الجلوس على ضفاف البحيرة لساعات، يراقب حركة الماء وانعكاس السماء عليه، فيما يُفضل آخرون التجول في محيطها أو قضاء وقت عائلي بسيط في أحضان الطبيعة.

 

البعد الاجتماعي.. حياة حول البحيرة

يرى سكان المنطقة في البحيرة جزءا من حياتهم اليومية، ومتنفسا طبيعيا يُضفي على المنطقة خصوصيتها، ويصفها أحد السكان بأنها “قلب الضاية النابض”، حيث تتجمع العائلات في عطلات نهاية الأسبوع، ويقصدها الشباب للابتعاد قليلا عن روتين المدينة، ورغم بساطة الإمكانيات السياحية، إلا أن المكان يحتفظ بجاذبيته بفضل طبيعته البكر التي لم تُمس بشكل كبير.

 

تحديات بيئية وآمال مستقبلية

غير أن هذا الجمال الطبيعي يواجه تحديات حقيقية أبرزها نقص الاهتمام والتأطير السياحي، فالبحيرة رغم أهميتها البيئية ما تزال بحاجة إلى مشاريع تهيئة تحافظ على توازنها الطبيعي وتوفر في الوقت ذاته ظروف استقبال أفضل للزوار، كما أن بعض السلوكيات السلبية مثل رمي النفايات أو الإضرار بالنباتات تُشكل خطرا على هذا الفضاء الهش، ما يستدعي تعزيز الوعي البيئي لدى الزائرين.

في السنوات الأخيرة بدأت تتعالى أصوات تدعو إلى إدراج بحيرة الضاية ضمن المسارات السياحية المنظمة لما تمتلكه من مقومات طبيعية قادرة على جذب السياح من داخل الوطن وخارجه، ويرى مختصون أن الاستثمار في مثل هذه المناطق يمكن أن يخلق توازنا بين حماية البيئة وتنمية الاقتصاد المحلي، خاصة إذا تم ذلك بطريقة مدروسة تحترم خصوصية المكان.

 

جمال بسيط لكنه لا يُنسى

ومع كل شروق شمس جديد، تستعيد البحيرة هدوءها المعتاد وتواصل أداء دورها كملاذ طبيعي لكل من يبحث عن لحظة صفاء، هنا، لا شيء يبدو مستعجلا، ولا صوت يعلو فوق صوت الطبيعة، فقط ماء ساكن، وسماء مفتوحة وأرض تحكي بصمتها حكاية جمال لا يحتاج إلى تزييف.

ويشهد كل من زار بحيرة الضاية أنه وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، تبقى بحيرة الضاية تذكيرا بسيطا بأن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى الكثير، فقط إلى عين تراه وقلب يشعر به، وهي دعوة مفتوحة لاكتشاف كنز طبيعي قريب قد لا يعرفه الكثيرون لكنه يستحق أن يكون في صدارة الوجهات التي تعكس ثراء الجزائر الطبيعي.

لمياء. ب