عادت الحركة خلال هذه الأيام إلى الموانئ الجزائرية إيذانا بانطلاق موسم صيد التونة، ذلك الموسم الذي ينتظره البحارة والمهنيون لما يحمله من أهمية اقتصادية وحيوية كبيرة، فالتونة ليست مجرد نوع من الأسماك المطلوبة في الأسواق العالمية، بل تعد موردا اقتصاديا مهما ينعش قطاع الصيد البحري ويوفر مناصب شغل موسمية للعديد من العائلات الجزائرية الساحلية.
وتعرف السواحل الجزائرية مرور أسراب التونة الحمراء القادمة من المحيط الأطلسي نحو البحر الأبيض المتوسط، ما يجعل الجزائر من بين الدول التي تحظى بحصة سنوية من هذا النوع الثمين، وتشارك في هذا الموسم سفن مجهزة بتقنيات حديثة وفرق بحرية مدربة، حيث تتطلب عملية الصيد خبرة كبيرة واحتراما للقوانين المنظمة للحفاظ على الثروة السمكية.
نشاط اقتصادي ينعش الموانئ
يشكل موسم صيد التونة حركية اقتصادية معتبرة في عدد من الموانئ الجزائرية، خاصة في المدن الساحلية التي تعتمد بشكل كبير على نشاط الصيد البحري، فمع بداية الموسم تنشط عمليات تجهيز السفن، وصيانة المعدات وتوفير مستلزمات الرحلات البحرية، ما يخلق ديناميكية اقتصادية يستفيد منها البحارة والتجار وحتى أصحاب الورشات الصغيرة.
كما تساهم عائدات تصدير التونة في دعم الاقتصاد الوطني، وبالنظر إلى القيمة العالية لهذا النوع من الأسماك في الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية والآسيوية، لهذا تسعى السلطات إلى تطوير هذا المجال وتحسين ظروف العمل فيه مع تشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية المرتبطة بالمنتجات البحرية.
بين الخبرة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة
ورغم تطور وسائل الصيد الحديثة إلا أن الكثير من البحارة مازالوا يعتمدون على خبرتهم الطويلة في تحديد مواقع أسراب التونة وتحركاتها، فالبحر بالنسبة لهم ليس مجرد مصدر رزق بل عالم مليء بالأسرار والتجارب المتوارثة عبر الأجيال.
في المقابل، أصبح استخدام أجهزة الرصد والتتبع وتقنيات التبريد الحديثة أمرا ضروريا لضمان جودة المنتوج والحفاظ عليه بعد الصيد، خاصة أن التونة الحمراء تصنف من بين أكثر الأسماك طلبا في العالم.
ضرورة حماية الثروة البحرية
ورغم أهمية هذا النشاط، يحذر المختصون من مخاطر الصيد العشوائي والاستغلال المفرط للثروة البحرية، وهو ما دفع الهيئات الدولية إلى فرض قوانين صارمة لتنظيم صيد التونة وتحديد حصص سنوية لكل دولة.
وتبقى المحافظة على التوازن البيئي مسؤولية جماعية، تبدأ من احترام فترات الصيد والكميات المسموح بها وصولا إلى نشر ثقافة الاستغلال العقلاني للموارد البحرية، حتى تبقى هذه الثروة متاحة للأجيال القادمة.
انتعاش ملحوظ في الأسواق
ومع انطلاق موسم صيد التونة تعرف الأسواق الشعبية ومحلات بيع السمك حركية كبيرة، حيث يزداد اقبال المواطنين على اقتناء التونة بمختلف أنواعها سواء للاستهلاك المنزلي، أو لتحضير بعض الأطباق التقليدية المرتبطة بالمأكولات البحرية، كما يشهد هذا الموسم تفاوتا في الأسعار حسب وفرة المنتوج وكمية الصيد اليومية، وهو ما يجعل الكثير من العائلات تترقب هذه الفترة للاستفادة من انخفاض الأسعار مقارنة بباقي أشهر السنة وفي بعض المدن الساحلية يتحول وصول سفن الصيد إلى حدث يومي يجذب التجار والمواطنين وسط أجواء تعكس ارتباط الجزائريين بالبحر وخيراته.
البحر مصدر رزق وحكاية صبر
يبقى موسم صيد التونة في الجزائر أكثر من مجرد نشاط اقتصادي، فهو قصة تعب وصبر يعيشها البحارة في عرض البحر، ومشهد يتكرر كل سنة ليؤكد ارتباط الجزائريين بالبحر وخيراته، وبين أمواج البحر المتوسط وحركة الموانئ الجزائرية تتواصل حكاية مهنة عريقة ما تزال تقاوم الزمن وتحافظ على مكانتها في المجتمع الجزائري.
لمياء. ب