مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة تتحول أسواق المواشي في الجزائر إلى فضاءات مكتظة بالمواطنين الباحثين عن الأضحية المناسبة، في مشهد يتكرر كل عام ويحمل معه الكثير من التفاصيل الاجتماعية والاقتصادية، فشراء الأضحية بالنسبة للعائلة الجزائرية ليس مجرد عملية اقتناء للكبش، بل هو تقليد راسخ وشعيرة دينية يحرص الجزائريون على الحفاظ عليها مهما كانت الظروف.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات واضحة في طريقة التحضير للعيد، خاصة مع الارتفاع المتواصل والجنوني في أسعار الأضاحي وتراجع القدرة الشرائية لدى الكثير من الأسر، ما جعل هذا الموسم يتحول إلى مصدر قلق لعدد كبير من المواطنين.
ارتفاع الأسعار يرهق العائلات
قبل أسابيع من العيد تبدأ العائلات في التنقل بين الأسواق ونقاط البيع لمقارنة الأسعار والبحث عن أضحية تناسب إمكانياتها، لكن الأسعار المرتفعة أصبحت حديث الجميع، خاصة في المدن الكبرى، حيث تجاوزت أثمان الكباش حدودا لم تعد في متناول الطبقة المتوسطة.
ويؤكد مربو المواشي أن هذا الغلاء مرتبط بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الأعلاف وزيادة تكاليف النقل، كما أنهم قالوا إن تربية المواشي أصبحت تتطلب مصاريف كبيرة طيلة السنة، ما يدفع المربين إلى رفع الأسعار لتغطية تكاليفهم.
وفي المقابل يرى مواطنون أن بعض التجار والسماسرة يستغلون المناسبة لتحقيق أرباح مضاعفة، من خلال المضاربة ورفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، خاصة مع اقتراب أيام العيد الأخيرة، وباتت الأسواق تشهد مفارقة واضحة بين العرض والطلب، حيث ارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، مقابل تراجع قدرة المواطن الشرائية، ما جعل الدولة تتدخل في محاولة لتخفيف العبء عن المواطنين، والتي أخذت على عاتقها، وضع منصة “أضاحي” التي تشرف عليها وزارة الفلاحة والصيد البحري، لعرض أضاحي مستوردة بأسعار في متناول الجميع، انطلاقا من 48 ألف دينار، للدفع عبر الأنترنت، و50 ألف دينار عند الدفع نقدا.
الأسواق التقليدية.. أجواء خاصة رغم الصعوبات
ورغم الغلاء، تبقى لأسواق المواشي في الجزائر أجواء خاصة تميز فترة ما قبل العيد، حيث تعج بالمواطنين الذين يتفقدون الكباش ويتفاوضون حول الأسعار، وسط أصوات الباعة وروائح الأعلاف وحركة الشاحنات القادمة من مختلف الولايات.
وفي كثير من المناطق، تتحول زيارة سوق المواشي إلى عادة عائلية متوارثة، يُشارك فيها الآباء والأبناء، لما تحمله من رمزية مرتبطة بالعيد والفرحة الجماعية.
الكباش المستوردة.. حل لتخفيف الأزمة أم عبء جديد
ومع ارتفاع أسعار المواشي المحلية خلال بعض المواسم، اتجهت الأنظار في السنوات الأخيرة إلى الكباش المستوردة ضمن السياسة التي اعتمدتها الدولة بهدف توفير الأضاحي بأسعار أقل وتخفيف الضغط على المواطنين، وقد لقيت هذه الخطوة ترحيبا من بعض العائلات التي رأت فيها فرصة لاقتناء أضحية بسعر معقول مقارنة بالكباش المحلية، بعد نجاح هذه العملية، السنة الماضية، والتي ساعدت الكثير من العائلات على اقتناء أضاحي العيد بأسعار جد تنافسية، ساهمت في تخفيف حدة المضاربة وعملت على كسر بعض الأسعار داخل السوق بالنسبة للكباش المحلية.
لكن في المقابل، أبدى آخرون تحفظهم على شراء الكباش المستوردة، مفضلين الأضحية المحلية التي اعتادوا عليها من حيث الشكل وطريقة التربية وجودة اللحم، كما أثار الموضوع نقاشا واسعا بين المواطنين حول مدى قدرة الاستيراد على ضبط الأسعار فعليا، خاصة إذا لم تتم مراقبة عمليات البيع ومنع المضاربة.
ورغم اختلاف الآراء، تبقى الكباش المستوردة أحد الحلول التي تلجأ إليها السلطات من أجل ضمان وفرة الأضاحي وبأسعار في متناول الطبقة المتوسطة.
مواقع التواصل تدخل سوق الأضاحي
ولم تعد عملية شراء الأضاحي مقتصرة على الأسواق التقليدية فقط، بل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي فضاء جديدا للبيع والشراء، حيث ينشر مربو المواشي صور الكباش مع الأسعار وأرقام الهواتف، فيما توفر بعض الصفحات خدمة التوصيل إلى المنازل، فيما يعرض آخرون خدمة إيواء الكباش منذ شرائها وحتى موعد العيد بسعر محدد لليلة الواحدة.
حلول بديلة لمواجهة الغلاء
أمام ارتفاع الأسعار، أصبحت بعض العائلات تلجأ إلى حلول مختلفة للحفاظ على أجواء العيد، مثل الاشتراك في شراء أضحية واحدة بين أفراد العائلة أو الادخار المسبق طيلة أشهر كاملة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وفي سياق متصل، تتواصل مبادرات التضامن والتكافل الاجتماعي، حيث تعمل جمعيات ومحسنون على توفير الأضاحي للعائلات المعوزة، حتى لا تُحرم من فرحة العيد.
لمياء. ب