-
استقرار مؤسساتي.. دبلوماسية هادئة واقتصاد يتجه نحو الإنتاج
قدّم رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال اللقاء الإعلامي الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية الذي بث سهرة السبت، على القنوات التلفزيونية والإذاعية الوطنية، جملة من الرسائل التي تعكس توجهات الجزائر في مرحلة تتسم بتحولات داخلية وإقليمية ودولية متسارعة.
وبين التأكيد على مسار الاستقرار الداخلي، وإبراز ثوابت السياسة الخارجية، وتسليط الضوء على ملامح التحول الاقتصادي، برزت معالم خطاب متوازن يسعى إلى ترسيخ موقع الجزائر كفاعل منسجم مع محيطه وقادر على إدارة تحدياته برؤية شاملة.
امتدادا للرسائل العامة التي حملها اللقاء الإعلامي، برز البعد الداخلي كأحد أهم محاور الخطاب، حيث حرص الرئيس عبد المجيد تبون، على التأكيد بأن الجزائر تمضي في مسار مؤسساتي يتسم بالاستقرار والتدرج، في سياق وطني يسعى إلى ترسيخ قواعد الحكم الرشيد وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة. وفي هذا الإطار، شكلت مسألة نزاهة الانتخابات محورا أساسيا في الرسائل الموجهة إلى الداخل، حيث شدد رئيس الجمهورية على أن كل الظروف باتت متوفرة لضمان شفافية العملية الانتخابية، في إشارة واضحة إلى أن هذا الملف لم يعد محل شك كما كان في مراحل سابقة، بل أصبح جزءا من مسار إصلاحي يراد له أن يكون مستداما. ويأتي هذا الطرح في سياق إبراز الدور الذي تضطلع به السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، باعتبارها آلية مؤسساتية أُنشئت خصيصا لتجسيد هذا التوجه، حيث أشار الرئيس إلى أن استحداثها يعكس إرادة الدولة في إبعاد أي شبهات عن العملية الانتخابية، وضمان تنظيمها وفق قواعد قانونية واضحة ومحددة. ولتعزيز هذا المسار، تم التأكيد على ضرورة الفصل بين مهام الإدارة والمسار الانتخابي، حيث أوضح رئيس الجمهورية أن أي تدخل للإدارة يظل محصورا في الجوانب المادية والتنظيمية فقط، دون المساس بجوهر العملية الانتخابية، وهو ما يعكس توجها نحو ضبط الأدوار داخل المنظومة المؤسساتية بشكل دقيق. وفي سياق متصل، اعتبر الرئيس أن من أبرز المكاسب المحققة هو “التخلص من مصطلح التزوير” من القاموس السياسي، وهو توصيف يحمل دلالة قوية على التحول الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه، من خلال بناء عملية انتخابية قائمة على المصداقية والقبول العام. غير أن هذا المسار، كما أوضح رئيس الجمهورية، لا يعني غياب التحديات، حيث أشار إلى أن التعامل مع أي تخوفات أو انشغالات يظل مؤطرا ضمن الأطر القانونية، في تأكيد على أن الإصلاحات السياسية تتم وفق منطق مؤسساتي، بعيدا عن المعالجات الظرفية أو غير المنظمة. كما لم يغفل الرئيس الإشارة إلى أن المنظومة الانتخابية، رغم ما تحقق فيها، تبقى قابلة للتحسين، من خلال معالجة بعض الثغرات التي قد تظهر، وهو ما يعكس مقاربة تدريجية تقوم على التقييم المستمر والتصحيح، بدل الاكتفاء بما تم إنجازه. وتعكس هذه الرسائل مجتمعة توجها واضحا نحو ترسيخ الثقة في المؤسسات، من خلال تعزيز مصداقية المسار الانتخابي، وضبط العلاقة بين مختلف الفاعلين، بما يكرس صورة دولة تسعى إلى تثبيت استقرارها الداخلي عبر أدوات قانونية ومؤسساتية واضحة المعالم.
توازن دبلوماسي في محيط مضطرب.. الجزائر تؤكد ثوابتها وترسّخ موقعها
وبالانتقال من الرسائل الداخلية إلى البعد الخارجي، برزت ملامح رؤية دبلوماسية تعكس إدراك الجزائر لتعقيدات محيطها الإقليمي والدولي، حيث قدّم عبد المجيد تبون مقاربة تقوم على التوازن والواقعية، في ظل سياق يتسم بتشابك الأزمات وتعدد الفاعلين، ما يفرض قراءة دقيقة لمجريات الأحداث والتعامل معها وفق ثوابت واضحة.
وفي هذا الإطار، احتل الملف المالي موقعًا بارزا في الخطاب، حيث عبّر رئيس الجمهورية عن أسفه للوضع القائم، مؤكدا أن اللجوء إلى القوة لا يمكن أن يشكل حلا للأزمات، في مقابل الدعوة إلى اعتماد الحوار كخيار أساسي لمعالجة الاختلالات السياسية، وهو طرح يعكس موقفا ثابتا يدعو إلى تغليب الحلول السلمية. ويأتي هذا التوجه متسقا مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، حيث شدد الرئيس على أن الجزائر لم ولن تتدخل في الشأن الداخلي لمالي أو غيرها، في تأكيد على احترام سيادة الدول، ورفض أي مقاربات قد تفسر على أنها محاولة للتأثير في المسارات الداخلية للدول الأخرى. وفي سياق متصل، أشار رئيس الجمهورية إلى أن اتفاق الجزائر لسنة 2015 يظل إطارا يخص الماليين بالدرجة الأولى، مبرزا أنه جاء نتيجة مسار تفاوضي لمعالجة وضع معقد، وليس تعبيرا عن تدخل جزائري، وهو توضيح يعكس حرص الجزائر على تثبيت دورها كوسيط يسعى إلى تقريب وجهات النظر دون فرض حلول. وبتوسيع زاوية النظر، برز البعد الإفريقي كأحد مرتكزات هذه الرؤية، حيث استدل الرئيس بتجارب التعاون مع دول شقيقة، من بينها النيجر، مع الإشارة إلى إرادة تعزيز العلاقات مع بوركينا فاسو وتشاد، في إطار توجه يرمي إلى بناء تكامل إفريقي فعلي، قائم على التعاون والتضامن بين دول القارة. وفي ما يتعلق بالعلاقات الدولية، تطرّق رئيس الجمهورية إلى العلاقات الجزائرية الأمريكية، مؤكدا أنها علاقات جيدة وتشهد تحسنا مستمرا، مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تدرك مكانة الجزائر في إفريقيا، وهو ما يعكس مستوى من الاحترام المتبادل الذي يطبع هذه العلاقات. وفي السياق ذاته، جدّد الرئيس التأكيد على تمسك الجزائر بمبدأ عدم الانحياز، مع رفض قاطع لإقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، باعتبار أن هذا الخيار يعزز من مصداقية الدولة ويكرس استقلالية قرارها، في ظل توازنات دولية تتسم بالحساسية. أما على مستوى القضايا الدولية، فقد أعاد رئيس الجمهورية التأكيد على ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية، وفي مقدمتها دعم القضية الفلسطينية من خلال الدعوة إلى إقامة دولة مستقلة في حدود 1967، إلى جانب التمسك بالموقف من قضية الصحراء الغربية وفق القرارات الأممية، بما يعكس استمرارية المواقف الجزائرية في الدفاع عن مبادئ الشرعية الدولية.
اقتصاد يتحرّك نحو الإنتاج.. مسار تنويع يتعزز وصادرات تبحث عن آفاق أوسع

وإلى جانب الرسائل الداخلية والخارجية، حمل اللقاء الإعلامي إشارات واضحة حول المسار الاقتصادي، حيث أكد الرئيس عبد المجيد تبون أن الجزائر بلغت مستوى تنمويا “لا رجعة فيه”، في توصيف يعكس مرحلة جديدة تسعى فيها البلاد إلى تثبيت مكاسبها الاقتصادية والانطلاق نحو نموذج أكثر تنوعا وإنتاجا.
وفي هذا السياق، برزت ملامح التحول التدريجي من اقتصاد يعتمد أساسا على المحروقات إلى توجه قائم على تنويع مصادر الدخل، حيث شدد رئيس الجمهورية على أن هذا الخيار لم يعد مجرد شعار، بل أصبح واقعا يتجسد من خلال سياسات ومشاريع تستهدف تثمين الموارد الوطنية خارج القطاع الطاقوي. وتتجلى هذه الديناميكية في تطور الصادرات خارج المحروقات، إذ أشار الرئيس إلى طموح الجزائر لبلوغ ما بين 8 و9 مليارات دولار سنويا، وهو هدف يعكس رغبة في تعزيز حضور المنتجات الوطنية في الأسواق الخارجية، في سياق يتسم بتنامي الطلب على بعض السلع المصنعة محليا. ويعزز هذا التوجه ما حققته عدة فروع صناعية من تنافسية متزايدة، على غرار الصناعات الكهرو-منزلية وصناعة الحديد والمواد الغذائية، حيث أصبحت هذه القطاعات قادرة على ولوج الأسواق الخارجية، بعد أن كانت تغطي في السابق احتياجات السوق المحلية بشكل أساسي. وفي هذا الإطار، استحضر رئيس الجمهورية مثال الحديد، الذي كانت الجزائر تستورده في فترات سابقة، قبل أن تتحول إلى تصديره، في دلالة على التحول الذي يشهده النسيج الصناعي الوطني، وقدرته على تحقيق قيمة مضافة متزايدة. وبموازاة ذلك، يندرج مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة ضمن هذه الرؤية، حيث يجري العمل على تطوير سلسلة متكاملة تشمل التحويل والإنتاج، مع التحضير لإطلاق مصنع الحمض الفوسفوري نهاية 2026 أو بداية 2027، في خطوة تهدف إلى تثمين هذه المادة الاستراتيجية بدل تصديرها في شكلها الخام. ويأتي هذا التوجه متسقا مع مبدأ شدد عليه رئيس الجمهورية، يتمثل في عدم تصدير المواد الأولية دون تحويلها محليا، سواء تعلق الأمر بالموارد المنجمية أو المنتجات الفلاحية، بما يسمح بخلق قيمة مضافة وتعزيز القاعدة الصناعية الوطنية. وتعكس هذه المؤشرات مسارا يرمي إلى بناء اقتصاد قائم على الإنتاج وخلق الثروة، من خلال تطوير الصناعات وتحفيز الصادرات، بما يسهم في توفير مناصب الشغل وترسيخ نموذج اقتصادي أكثر توازنا واستدامة خارج قطاع المحروقات. وفي ختام هذا اللقاء الإعلامي، تتقاطع مختلف الرسائل التي حملها خطاب عبد المجيد تبون لتشكّل صورة متكاملة لمسار تسعى الجزائر إلى تثبيته في هذه المرحلة، حيث يبرز البعد الداخلي من خلال التأكيد على استقرار المؤسسات وتعزيز مصداقية المسار الانتخابي، بما يعكس توجها نحو ترسيخ الثقة داخل الفضاء الوطني. وبموازاة ذلك، يظهر البعد الخارجي في تمسك الجزائر بخط دبلوماسي قائم على التوازن واحترام السيادة، مع الدعوة إلى الحلول السلمية في معالجة الأزمات، وتأكيد الحضور في الفضاء الإفريقي والدولي وفق مقاربة تستند إلى مبادئ ثابتة في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية. أما على المستوى الاقتصادي، فتبرز ملامح مسار يقوم على التحول نحو نموذج أكثر تنوعا، من خلال دعم الإنتاج الوطني وتوسيع قاعدة الصادرات خارج المحروقات، في سياق يعكس توجها نحو تثمين الموارد وخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني. وفي مجملها، تعكس هذه المحاور مسارا متوازيا يجمع بين تثبيت الاستقرار الداخلي، واعتماد توازن دبلوماسي في الخارج، ومواصلة التحول الاقتصادي، ضمن رؤية تسعى إلى تعزيز موقع الجزائر والتعامل مع التحديات الراهنة بأدوات متعددة ومتكاملة.
مصطفى. ع