-
من “أدرار” إلى “عين قزام”: قادة الأحزاب يفتتحون “ماراثون التشريعيات” من تخوم الحدود
-
جبهة السوشل ميديا والبث المباشر: عندما تتحول الشاشات الذكية إلى مداومة انتخابية عابرة للمسافات
أعطت الأحزاب السياسية والقوائم الحرة، الثلاثاء، إشارة انطلاق ماراثون الحملة الانتخابية لـ”تشريعيات 2 جويلية” المقبل، مدشنة ثلاثة أسابيع من التنافس المحموم واللقاءات الجوارية لكسب ثقة كتلة ناخبة تاريخية تزيد عن 24.7 مليون ناخب.
وتمازجت الحركية الميدانية لليوم الأول بين زحف قادة التشكيلات السياسية نحو عمق الجنوب والولايات المستحدثة لاقتناص مقاعد التمكين، وبين اشتعال جبهات المناهج الرقمية والمنصات التفاعلية التي تحولت إلى ساحات بديلة لعرض البرامج واستقطاب فئات الشباب. إنه حراك ديمقراطي متكامل يسير تحت مجهر السلطة المستقلة لإنتاج برلمان قوي وقادر على مجابهة التحديات التشريعية والاقتصادية المقبلة للبلاد.
الولايات المستحدثة والحدودية تصنع الحدث في اليوم الأول
شهد اليوم الأول من عمر الحملة الانتخابية تحولاً استراتيجيا لافتاً في بوصلة القوى السياسية، التي فضلت مغادرة قاعات الحواضر الشمالية الكبرى والتوجه فوراً نحو تخوم الصحراء والولايات الحدودية المستحدثة في أقصى الجنوب.
وعكس هذا الإنزال الميداني وعياً عميقاً بالقيمة السياسية والتمثيلية التي باتت تحوزها هذه الأقطاب الناشئة عقب التعديلات التشريعية الأخيرة التي منحتها دفعاً قوياً للمشاركة في صياغة القرار الوطني. وتحولت مدن مثل أدرار، عين قزام، جانت، وتيميمون إلى مسارح مفتوحة لأولى التجمعات الشعبية الحاشدة، حيث تسابق قادة الأحزاب لاستعراض عضلاتهم التنظيمية وإثبات امتدادهم الجغرافي في قلب التحديات التنموية الساخنة للبلاد. وتجلى هذا التوجه الميداني الصارم في دفتر الأنشطة الحزبية، حيث اختار الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، عبد الكريم بن مبارك، إطلاق الشرارة الأولى لحملته من دار الثقافة “الشهيد شيباني محمد” بساحة الشهداء في ولاية أدرار، قبل أن ينتقل في ذات المساء لتنشيط تجمع موازٍ بساحة أول نوفمبر بولاية إن قزام الحدودية. وعلى ذات الخط الساخن، اختار الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، منذر بودن، النزول بكامل ثقله التنظيمي إلى ولاية إيليزي صباحاً وثم ولاية جانت مساءً، ليعلن من هناك أن رهان الحزب يبدأ من تحصين الجبهة الداخلية وتثمين مكاسب التنمية في مناطق الظل ومحاور التماس الحدودية.
ولم تكن بقية التيارات السياسية بمعزل عن هذه الجاذبية الصحراوية، إذ فضلت جبهة المستقبل هي الأخرى ولاية جانت لتكون منطلقاً لأولى خرجاتها الشعبية الموجهة للشرائح العمالية والشبانية في أقصى الجنوب الشرقي. وبدورها، اختارت حركة مجتمع السلم ولاية تيميمون الواحاتية لتنظيم تجمعها الشعبي الأول، مستندة إلى ندوة صحفية مركزية بالعاصمة ركزت فيها على الرؤية الاقتصادية البديلة للحزب. هذه الهجرة الجماعية للخطاب السياسي نحو الجنوب تعكس رغبة واضحة في استمالة الكتل الانتخابية المحلية، وتقديم التزامات مباشرة لساكنة تلك المناطق بقدرة البرلمان القادم على ترجمة انشغالاتهم التنموية إلى نصوص تشريعية نافذة. إن انطلاق الحملة من الجنوب يمنح تشريعيات 2026 صبغة وطنية وسيادية بالغة الأهمية، ويوجه رسالة واضحة بأن التنافس على مقاعد المجلس الشعبي الوطني لم يعد يدار خلف المكاتب المغلقة في الحواضر الكبرى. ويؤكد هذا الحراك الميداني أن القوى المتنافسة باتت تدرك أن التمكين الحقيقي يبدأ من الأطراف ومن الولايات التي استفادت من التسهيلات والإعفاءات القانونية لجمع التوقيعات وترتيب القوائم. وستبقى عيون المراقبين معلقة بهذه الربوع طيلة الأسابيع القادمة لمتابعة كيف ستتحول البرامج السياسية المكتوبة إلى عقود ثقة متبادلة بين المواطن البسيط وصناع المشهد النيابي الجديد.
المنصات الرقمية والفضاء الافتراضي: الساحة البديلة لصناعة الرأي واستقطاب كتلة الشباب
بالموازاة مع لهيب التجمعات الشعبية في قاعات الجنوب، اندلعت في الساعات الأولى من يوم الثلاثاء معركة تكنولوجية وإعلامية شرسة عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى مداومات افتراضية عابرة للحدود والمسافات.
ووجدت الأحزاب والقوائم الحرة في تقنيات البث المباشر، والمنشورات التفاعلية، ومقاطع الفيديو القصيرة ملاذاً إستراتيجياً للوصول المباشر إلى الهيئة الناخبة دون تحمل تكاليف التنقل واللوجستيك التقليدي شاق الصنع. وبات واضحاً أن الفوز بمقعد تحت قبة البرلمان يمر حتماً عبر خوارزميات الشاشة الذكية وقدرة المترشحين على صناعة “محتوى إقناعي” يتناغم مع تطلعات الجيل الجديد. وسارعت التشكيلات السياسية الكبرى إلى تجنيد خلاياها الرقمية وإطلاق وسوم رسمية موحدة لتوثيق خرجات قادتها الميدانية وبث خطاباتهم فورياً بجودة صوت وصورة عالية الدقة لضمان الآنية والتأثير النفسي في المتابعين. وتحولت صفحات مثل الفيسبوك، ومنصات إكس وإنستغرام إلى ساحات لعرض المحاور السياسية والاقتصادية للبرامج، مع إتاحة فضاءات التعليقات والنقاش المفتوح مع المواطنين لتلقي التساؤلات والرد عليها بهدوء. هذا الانتقال المرن نحو الممارسة الديمقراطية الرقمية يعكس وعي الطبقة السياسية بتركيبة الهيئة الناخبة التي تهيمن عليها فئة الشباب الذين يتخذون من الفضاء الافتراضي مصدرهم الأساسي لتلقي الأخبار وتشكيل المواقف. ولم يقتصر هذا الاستنفار التكنولوجي على المبادرات الحزبية الفردية، بل تدعم بترتيبات مؤسساتية صارمة وضعتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالتنسيق مع وسائل الإعلام السمعية البصرية الوطنية لتأمين الحيز الزمني الخاص بالتعبير الحر. وجندت الإذاعة والتلفزيون الجزائري قنواتهما الرسمية ومنصاتهما الرقمية لبث النشرات الخاصة والتسجيلات الموجهة للمترشحين بناءً على القرعة المسبقة التي جرت بالمركز الدولي للمؤتمرات. ووضعت الإذاعة الوطنية تجهيزات تقنية متطورة على مستوى نادي الصنوبر لتسجيل التدخلات وضمان جودة الصوت والسرعة في المراقبة، واضعة المترشحين على مسافة واحدة من الحياد والموضوعية المطلقة والإنصاف التجاري والسياسي. إن المزاوجة بين الخطاب الميداني التقليدي والزحف الرقمي المنظم يمنح حملة تشريعيات 2026 تميزاً هيكلياً يعزز من فرص المشاركة السياسية ويضمن النفاذ العادل للمعلومة الانتخابية لكافة المواطنين عبر ربوع الوطن. ويقلل هذا الأسلوب الرقمي الحديث من النفوذ المالي التقليدي، حيث بات بإمكان القوائم الحرة والشباب المترشحين منافسة الماكينات الحزبية الكبرى عبر أفكار مبتكرة وحملات ترويجية ذكية ومنخفضة التكلفة. وتتجه الأنظار نحو الشاشات طيلة أيام الحملة لرصد أي التيارات سيكون الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الرقمي لترجمة التفاعلات الافتراضية إلى أصوات حقيقية تتدفق نحو الصناديق.
تعبئة لوجستية قياسية عبر الولايات: تهيئة فضاءات الإشهار وقاعات التجمعات الشعبية
ولتأطير هذا الزخم البشري والسياسي الهائل ومنع مظاهر العشوائية والارتجال، جندت مصالح الإدارة المحلية بالتعاون مع مندوبيات السلطة المستقلة عبر كافة الولايات آلاف القاعات وفضاءات الملصقات الإشهارية الموحدة لضمان السير الحسن للحملة.
ووضعت السلطات خططاً صارمة لتوزيع الأماكن المخصصة للتعليق بناءً على نتائج القرعة لضمان العدالة والإنصاف المطلق بين القوائم الحزبية والحرة على حد سواء. وتحولت واجهات وميادين البلديات إلى لوحات تنظيمية أنيقة تعكس هيبة القانون ورغبة الدولة في إعطاء صورة حضارية تليق بمسار الإصلاحات السياسية العميقة التي تشهدها البلاد. وفي هذا الصدد، خصصت ولاية الجزائر لوحدها 1602 موقعاً لتعليق قوائم الترشيحات موزعة عبر 57 بلدية، حيث تحصي كل بلدية ما بين 15 إلى 35 موقعاً تبعاً لكثافتها السكانية وخطوط سير مواطنيها. وأوضح مدير الإدارة المحلية خالد خطراوي، أنه تم اعتماد نموذج موحد للافتات الإشهارية نُصبت بعناية بحيث لا تعيق حركة المارة على الأرصفة، مع تشكيل لجنة ولائية متخصصة لمراقبة المواقع ومعاينة أي تجاوزات أو مخالفات قانونية قد تطال اللوحات. كما جهزت العاصمة 48 قاعة كبرى، بين منشآت رياضية وفضاءات اجتماعية، لاحتضان التجمعات الشعبية في ظروف تنظيمية ومناخية حسنة ومريحة. ولم يختلف المشهد التنظيمي في ولاية قسنطينة بالشرق الجزائري، حيث أعلن المنسق الولائي درماش بن عزوز عن تخصيص 40 قاعة لاحتضان التجمعات الشعبية و343 فضاءً مصفحاً للملصقات وزعت بالقرعة العادلة بين الأحزاب والأحرار. وفي عاصمة الغرب وهران، بلغت التعبئة اللوجستية ذروتها بتخصيص 104 قاعات عبر البلديات الـ 26 للولاية، تضاف إليها 597 موقعاً للملصقات الإشهارية لتسهيل مهمة القوائم التسعة المتنافسة في التعريف ببرامجها. ويمتد هذا الجهد اللوجستي إلى أقصى الجنوب، حيث خصصت ولاية تمنراست 62 موقعاً للإشهار و21 موقعاً للتجمعات الشعبية وزعت بالتساوي بين القوائم الثمانية المتنافسة على مقعدي الولاية. هذه الأرقام والترتيبات الميدانية الضخمة توضح حجم الاستعدادات المادية والبشرية التي سخرتها الدولة لإنجاح المحطة التشريعية، وتوفير المرفق العام الملائم للمترشحين والناخبين على حد سواء طيلة الأسابيع الثلاثة. وتسهر اللجان الولائية المشتركة بالتعاون مع مصالح الأمن والدرك الوطنيين على حماية هذه الفضاءات وتأمين محيط القاعات لضمان مرور اللقاءات الجوارية في كنف الهدوء والانضباط التام. وتؤكد هذه الجاهزية التنظيمية أن الإدارة المحلية تقف على بعد مسافة واحدة من الجميع، ملتزمة فقط بدورها اللوجستي والدعم المادي الذي يضمن تكافؤ الفرص وحرية التعبير للمتنافسين كافة.
سلطة الانتخابات تقود بروتوكول النزاهة المطلقة
وتقف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في دورة يونيو-يوليو 2026 كحارس دستوري وتنظيمي أمين على نزاهة ومصداقية الصندوق، مستندة إلى التعديلات الجوهرية الأخيرة التي أدخلت على القانون العضوي لنظام الانتخابات.
وفرض المشرع الجزائري ترسانة من الضوابط والمعايير الصارمة الرامية إلى تجفيف منابع المال الفاسد ومنع تأثيره اللانمطي على إرادة الناخبين وحرية اختيارهم لممثليهم البرلمانيين. وتجلت هندسة الإصلاحات الجديدة في تقليص عدد أعضاء مجلس السلطة من 20 إلى 10 أعضاء فقط، وتشكيل مكتب تنفيذي مرن لرفع كفاءة وسرعة اتخاذ القرار الميداني ومواجهة التجاوزات فوراً. وتمنح المنظومة القانونية الجديدة، التي بادر بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الأحزاب والقوائم الحرة مرونة كاملة وصلاحية مطلقة لترتيب قوائمها داخلياً بناءً على الكفاءة والانتشار الاستراتيجي، متجاوزة عهد الترتيب الأبجدي الكلاسيكي البيروقراطي. وتترافق هذه المرونة مع الحفاظ الكامل على حق المواطن الناخب في اختيار مرشحه المفضل بحرية تامة من داخل القائمة عبر نظام القائمة المفتوحة، مما يعزز ثقة المواطن في الصندوق ويعيد الاعتبار للأصوات الفعلية. كما فرض القانون معايير نزاهة مشددة ألزمت المترشحين بإثبات وضعيتهم الجبائية وتبرير مصادر تمويل حملاتهم الانتخابية لمنع أي اختراق لأصحاب النفوذ المالي.
وتحصيناً لقواعد البيانات ومنعاً لأي ثغرات أو تكرار في القوائم، فرض القانون الجديد إدراج الرقم التعريفي الوطني في بطاقات الناخبين بشكل تدريجي وممنهج، مع اعتماد آليات الفرز الإلكتروني والرقابة الرقمية لتقليل الأخطاء البشرية. وتتولى مندوبيات السلطة المستقلة عبر ولايات الوطن الـ 69 مراقبة الخطاب السياسي المنشور والمسموع، ومتابعة مدى التزام المترشحين بالقواعد الأخلاقية والقانونية التي تحظر استعمال لغة التجريح أو تسخير الوسائل العمومية لأغراض دعائية. هذا الحصار التنظيمي والقانوني يهدف لخلق بيئة تنافسية شريفة تضع البرامج الواقعية والكفاءات العلمية والشبانية في صدارة الاختيارات الشعبية للعهدة العاشرة القادمة. إن التنسيق العالي بين سلطة الانتخابات والمؤسسات الإعلامية والأمنية يمثل صمام الأمان الفعلي لمرور أسابيع الحملة الثلاثة في كنف الهدوء والاستقرار السياسي المنشود. وباتت الكرة اليوم في مرمى المترشحين والأحزاب لتقديم خطاب سياسي راقٍ ومسؤول يقنع الكتلة الناخبة الضخمة بجدوى المشاركة والذهاب نحو الصناديق يوم 2 جويلية. وتؤكد كافة المعطيات الميدانية لليوم الأول، أن الدولة قد وفت بالتزاماتها اللوجستية والتشريعية، واضعة أسساً متينة لمسار انتخابي قائم على النزاهة والحياد التام الذي يحمي صوت المواطن ويصون خياراته الحرة.
مصطفى. ع