الرئيسية / ملفات / الظاهرة عادت لتنهش الشباب, الحراقة.. يركبون البحر طوعا هربا من الفقر قسرا

الظاهرة عادت لتنهش الشباب, الحراقة.. يركبون البحر طوعا هربا من الفقر قسرا

– مباشر من قوارب الموت على مواقع التواصل

ارتفعت مؤخرا أعداد قوارب المهاجرين المغادرة للسواحل الجزائرية، والمتجهة بأغلبها إلى إسبانيا، كما ارتفعت عمليات إحباط محاولات هجرة مماثلة في مناطق متعددة على الساحل الجزائري ، في السادس من الشهر الماضي ، أعلنت السلطات الإسبانية عن وصول أكثر من 160 مهاجرا إلى أحد شواطئها الجنوبية، جميعهم من الجنسية الجزائرية. وذكرت السلطات في بيانها أن بين هؤلاء المهاجرين نساء وأطفال. وفي اليوم نفسه، أعلنت السلطات الجزائرية عن ضبط “شبكة إجرامية” في ولاية وهران، متخصصة بإعداد وصناعة قوارب الهجرة غير الشرعية. وفي السابع من ذات الشهر ، أعلنت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية عن إحباط محاولات هجرة غير شرعية لـ 317 شخصا في كل من عين تموشنت ووهران وتلمسان ومستغانم والشلف والطارف.

حلم الأبناء وهاجس الأولياء

أدّت عودة موجات الهجرة غير الشرعية للشباب الجزائري في “قوارب الموت” إلى أوروبا بشكل مكثف في الأسابيع الأخيرة، إلى تضاعف القلق لدى الأولياء الذين باتوا يخشون من خسارة أبنائهم، لا سيما بعد أن ثَبُت أن بعض الذين حاولوا الهجرة في الأيام الأخيرة قصرٌ وأطفال لا يتعدى عمر بعضهم الـ13 سنة، وهو ما يبعث على القلق والتوجس لدى العائلات الجزائرية. وهو ما تثبته مئات المحاولات التي سُجلت في السنوات الأخيرة، وانتهى بعضها بـ”النجاح” في الوصول إلى الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، وبخاصة إسبانيا وإيطاليا، بينما كان مصيرُ محاولاتٍ أخرى مأساوياً بعد أن غرقت الكثيرُ من “قوارب الموت” وانتهى الأمر بأصحابها طعاماً للحوت في البحر.

“الحرقة” تسمية محلية لـ”وجع” شعبي

يُعرف المهاجرون السرِّيون في الجزائر باسم محلي شهير وهو “الحرَّاقة”، وكان هذا الوصف يُطلق في العقود الماضية على ركاب القطارات والحافلات العمومية الذين يتهربون من دفع أسعار رحلاتهم، ولكنه أصبح يطلق خصيصاً على المهاجرين السريين أو غير الشرعيين منذ بداية ظاهرة “الحَرْقة” في التسعينيات، وأصبح هذا الوصف يُتداول الآن بشكل واسع جداً حتى من طرف وسائل الإعلام المحلية والقوى السياسية بالجزائر. وظهرت “الحَرقة” في التسعينيات، وربما في أواخر الثمانينيات، تزامناً مع ظهور الأزمة الاقتصادية واشتدادها بالجزائر، حيث تفاقمت البطالة وبخاصة لدى فئة الشباب، فأصبح الكثيرُ منهم يرى أوروبا بمثابة الخلاص والحل السحري، ولكن بما أن إجراءات “الفيزا” معقدة بسبب التضييق الأوروبي على هجرة الجزائريين إليها، فقد بدأت محاولات الهجرة السرية إليها في ما أصبح يُطلق عليه “قوارب الموت”.

ما بين السعي للاسترزاق والبحث عن “الرفاهية”

يرى الدكتور ناصر جابي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر، أن هذه الظاهرة “تعدّ تعبيراً صارخاً عن فشل اندماج الشباب الجزائري في مجتمعه”. ويرجع جابي، السبب إلى “البطالة العالية للشباب، وظروفه الاجتماعية والثقافية”. واستغرب تفاقم الظاهرة في بلد بترولي ارتفعت احتياطاته من العملات الصعبة مؤخراً إلى 144 مليار دولار. لكن الدكتور نور الدين محمد جباب، أستاذ الفكر المعاصر بجامعة الجزائر، لا يرى أن السبب يكمن في البطالة والفقر بل في “رغبة الشباب الجزائري في تحقيق حياة الرفاهية والبذخ التي يتمثلها في ذهنه من فرط تأثره بالثقافة الغربية”، ويستدل جباب على كلامه باكتشاف حالات لشبان “حرَّاقة” أثرياء ضُبطوا على “قوارب الموت”، ويعتبر جباب أن ذلك إحدى نتائج فشل السلطات في “تجنيد الشباب حول مشروع وطني كبير كفيل بحشد الناس حوله”.

“الحرقة” من الطابو إلى تصدر صفحات الأخبار

في التسعينيات، كان هناك تعتيمٌ كبير على أخبار “الحرَّاقة”، فلم تكن تُنشر في وسائل الإعلام المحلية إلا لماماً لاسيما وأن الوضع الأمني المتردي الذي فرضه الإرهاب آنذاك كان يغطي على ما عداه من الأخبار، ولكن بمرور الوقت، تزايد عدد قوارب الموت و”الحراقة” بشكل كبير، وتكسر “التابو” في الألفية الجديدة وأصبحت أخبار إفشال رحلة “حرَّاقة” في عرض البحر، أو غرق قاربهم وتعرضهم للغرق، أو القبض عليهم في سواحل إيطاليا أو إسبانيا والزج بهم في محتشدات قبل إعادتهم، تملأ الصحف اليومية، وأصبح الأمرُ مادة للجدال الإعلامي والسياسي اليومي الذي لا ينتهي إلى نتيجة.

..مباشر على مواقع التواصل

واستفحلت في المدة الأخيرة بالجزائر ظاهرة بث فيديوهات “قوارب الموت” للمهاجرين غير النظاميين عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تستغل للترويج لمغامراتهم البحرية.

ولا يخل يوم من ظهور شباب في مقتبل العمر على منصات التواصل يركبون قوارب تتقاذفها أمواج البحر يمينا وشمالا دون أن يكترث هؤلاء لما قد يحث معهم من خطر وهم يبحرون للضفة الأخرى بحثا عن الجنة المفقودة. ويتحدث الشاب طارق من نواحي بومرداس عن تغيير موقفه من الهجرة غير النظامية بعد أن شاهد تلك المشاهد الصادمة لقوارب الموت عبر فيديوهات منتشرة على منصات التواصل. ويقول “كنت أحلم بالحرقة (الهجرة) وأعددت كل شيء لذلك لكنني غيرت رأيي تماما بعد أن شاهدت هؤلاء الشباب فوق الزوارق وسط البحر”. ويضيف “صدقوني شعرت بالخوف وحمدت الله أنني لم أنفذ ما كان في رأسي وسأسعى جاهدا للحصول على التأشيرة للسفر قانونيا”. ويروي سيد علي من نواحي العاصمة حجم المعاناة التي رافقت رحلتهم الفاشلة بعد نجاته رفقة 12 شابا من أصدقائه عبر قارب الموت بعد أن ضلوا الطريق بسبب الأمواج العالية للبحر وتدهور الملاحة تلك الليلة. ويقول “الحمد لله نجونا بأعجوبة فتخيلوا بقاءنا ما يفوق 33 ساعة والأمواج تغمر قاربنا، لولا لطف الله لكنا في عداد الموتى”. ويستعيد أسامة تلك اللحظات الصعبة التي وصفها بالمرعبة قائلا “فقدنا الأمل في الوصول للضفة الأخرى رغم أننا كنا نرى أضواء اليابسة في إسبانيا بأعيننا، لكننا لم نقدر على مواصلة الرحلة إلى أن هدأت الأمواج ووصلنا جزيرة إيبيزا فقررت رفقة صديق التوجه لـبرشلونة”. ويضيف أسامة، أنه اعتقل رفقة صديقه من قبل الشرطة الإسبانية وتم ترحيلهما للجزائر. وهنا أكد أنه بعد نجاته لم يعد يفكر على الإطلاق في الهجرة غير النظامية مجددا بسبب تلك الرحلة المرعبة.

دعوة صريحة

ويفسر الأستاذ المحاضر في الإعلام والاتصال بجامعة مستغانم، الدكتور محمد حمادي، ظاهرة “الحرقة” وتصوير الشباب “الحراقة” لأنفسهم وهم في عرض البحر بأنها دعوة صريحة منهم لأقرانهم للهجرة غير النظامية خصوصا وأن هناك من الشباب من يرفض الفكرة أساسا. ويضيف حمادي، أن للظاهرة دلالات عدة منها تبرير هؤلاء الشباب للهروب من الواقع المرير الذي يعيشونه بالجزائر، ورد واضح منهم على كل من انتقدهم وقال إنهم يجازفون بأنفسهم ويعرضونها للتهلكة عبر قوارب الموت، معتبرا أنهم يريدون إثبات وجودهم عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويعتبر حمادي أن هذه الفيديوهات من شأنها أن تساهم في التأثير على الشباب ورفع نسبة الهجرة غير النظامية عبر الزوارق المطاطية، وتمدهم إلى حد بعيد برؤية شاملة لأطوار الرحلة وتحفزهم أكثر خصوصا إذا ما كللت العملية المصورة بالنجاح وبالتالي يتخذونها مرجعا لهم. والغريب في الأمر أن الفيديوهات المتداولة أظهرت التزايد المعتبر لرحلات الشباب عبر قوارب الموت ومن الجنسين وكل الفئات العمرية، إذ ظهر أطفال رضع وقصر وفتيات في مقتبل العمر فضلن الهجرة غير النظامية لأسباب مختلفة. ودقت منظمات حقوقية ناقوس الخطر على التزايد الرهيب للظاهرة واستنكرت صمت الجهات الرسمية التي لم تحرك ساكنا أمام ما يجري من قبل شباب فضلوا المخاطرة بحياتهم على البقاء بالجزائر وكلهم أمل في تحسين ظروفهم المعيشية والحصول على وثائق الإقامة في بلدان الضفة الشمالية.

مواقف رافضة لقوانين معاقبة “الحراق”

وأدى التصاعد الكبير لظاهرة “الحَرقة”، انطلاقاً من السواحل الجزائر، وسواحل بقية الدول المغاربية، إلى قيام أوروبا بممارسة ضغوط كبيرة على هذه الدول لضبط تدفق مهاجريها السريين عليها، فقامت الجزائر بتعزيز رقابة سواحلها التي يزيد طولُها عن 1200 كم، بمزيد من فرق حرس السواحل، كما قامت بسنِّ قانون يجرِّم “الحرَّاقة” ويعاقبهم بالسجن وغرامات مالية، فحكمت بالسجن النافذ وغير النافذ والغرامات المالية، على عشرات “الحرَّاقة” المقبوض عليهم. وأثار هذا القانون ردود أفعال واسعة رافضة له، فقالت المحامية والحقوقية فاطمة الزهراء بن براهم إنه لا يعقل معاقبة “الحراق” الذي “حاول الهجرة السرية إلى أوروبا لتحسين أوضاعه المعيشية بعد أن سُدَّت عليه منافذ الرزق في بلده”. واعتبرت أن هذا القانون “يسيء إلى المنظومة القانونية الجزائرية” وطالبت بإلغائه. ويؤكد فاروق قسنطيني، أن عقوبة السجن “قاسية” ويطالب بالاكتفاء بـ”فرض غرامة مالية شكلية” على “الحراق” الذي يحاول الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

لمياء.ب