-
قدرة إنتاجية تتجاوز 27 ألف ميغاواط.. ومنظومة كهربائية تضمن الاستقرار وتفتح باب التصدير
-
مشاريع كبرى من تبسة إلى مستغانم.. توسع متواصل يدعم التغطية ويعزز الفائض
-
ربط إقليمي وطموح أوروبي.. الكهرباء الجزائرية تتجه نحو أسواق جديدة وتدعم الاقتصاد
في وقت يتزايد فيه الطلب على الطاقة عالميا، تبرز الجزائر كأحد النماذج القادرة على تحويل فائض إنتاجها الكهربائي إلى ورقة استراتيجية.
بقدرة تناهز 27 ألف ميغاواط، ومنظومة تضمن تغطية شبه كاملة واستقرارا في الإمدادات، لم يعد الهدف مقتصرا على تلبية الطلب الداخلي، بل التوجه نحو التصدير وولوج الأسواق الإقليمية، في مسار يعكس تحولا تدريجيا نحو بناء قوة كهربائية تدعم الاقتصاد الوطني وتعيد رسم موقع البلاد في خريطة الطاقة.
تعكس القدرة الإنتاجية للكهرباء في الجزائر، التي تبلغ نحو 27 ألف ميغاواط، تحوّلا واضحا من مجرد تلبية الحاجيات الأساسية إلى بناء قاعدة طاقوية قوية تتجاوز الطلب الداخلي.
فوفق المعطيات المتاحة، لا يتجاوز الاستهلاك الوطني في الظروف العادية 17 ألف ميغاواط، حتى مع تسجيل ذروات صيفية تصل إلى أكثر من 20 ألف ميغاواط، كما حدث في يوليو 2025 حين بلغ الطلب 20 ألفا و628 ميغاواط، ما يعني أن المنظومة الكهربائية تمتلك هامش أمان معتبر يسمح بتغطية الضغط الموسمي دون اختلال. ولا يقتصر هذا الفارق بين الإنتاج والاستهلاك على الأرقام اللحظية، بل يمتد إلى الأداء السنوي، إذ تنتج الجزائر أكثر من 96.3 تيراواط/ساعة من الكهرباء، مع قدرة مؤكدة على تلبية الطلب المتزايد دون اللجوء إلى تقليص الإمدادات أو تسجيل انقطاعات واسعة. ويعكس هذا المستوى من الإنتاج استقرارا هيكليا في المنظومة الكهربائية، مدعوما باحتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي تتجاوز 159 تريليون قدم مكعبة، ما يمنح البلاد استقلالية شبه كاملة في تأمين الوقود اللازم للتوليد. ويُظهر مزيج إنتاج الكهرباء في الجزائر اعتمادا شبه كلي على الغاز الطبيعي، الذي يساهم بما يقارب 95 تيراواط/ساعة من إجمالي الإنتاج، أي بنسبة تقارب 99%، وهو ما يفسّر القدرة العالية على التحكم في التكاليف وضمان استمرارية الإمدادات. هذا الاعتماد، رغم ما يطرحه من تحديات مستقبلية، مكّن في المرحلة الحالية من تحقيق كفاءة تشغيلية مرتفعة، خاصة مع اعتماد تكنولوجيا الدورة المركبة في عدد من المحطات، ما يسمح بإنتاج طاقة أكبر بنفس كمية الوقود. هذا التوازن بين قدرة إنتاجية مرتفعة وطلب داخلي أقل نسبيا يشكّل قاعدة استراتيجية للمرحلة المقبلة. فوجود هامش إنتاج يفوق الحاجة الوطنية يفتح المجال أمام خيارات أوسع، تتجاوز تأمين السوق المحلية إلى التفكير في توجيه هذا الفائض نحو الاستثمارات الطاقوية ذات البعد الإقليمي، وهو ما يمهّد عمليا للانتقال من منظومة مكتفية ذاتيا إلى منظومة قادرة على التأثير خارج حدودها.
مشاريع كبرى تعزز المنظومة.. من تبسة إلى مستغانم
لا يقتصر فائض الإنتاج المسجّل على القدرات الحالية فقط، بل يرتكز أيضا على ديناميكية مشاريع قيد الإنجاز والتوسعة، تعكس توجّها واضحا نحو تعزيز المنظومة الكهربائية بأدوات إنتاج أكثر كفاءة.
في هذا السياق، تبرز محطة تبسة الجديدة بقدرة تصل إلى 1406 ميغاواط كواحدة من أكبر المنشآت المرتقبة، تُنجز بتكنولوجيا الدورة المركبة التي تسمح برفع المردودية وتقليص استهلاك الوقود بنحو 30 بالمائة، ما يجعلها عنصرا محوريا في دعم الشبكة الوطنية، خاصة في المناطق الشرقية والحدودية. ويمتد هذا التوجه إلى مشاريع أخرى قيد التعزيز، من بينها محطة مستغانم بقدرة تقارب 1.5 غيغاواط، التي دخلت الخدمة الكاملة جزئيا سنة 2025، ما يضيف طاقة معتبرة إلى الشبكة الوطنية في ظرف يتزامن مع ارتفاع الطلب. كما تُظهر هذه المشاريع توجهًا نحو توزيع جغرافي متوازن للقدرات الإنتاجية، بما يسمح بتقليص الضغط على الشبكات المحلية وتحسين مرونة التوزيع، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية التي تشهد تسجيل أرقام قياسية في الاستهلاك. ولا تنطلق هذه المشاريع من فراغ، بل تستند إلى قاعدة صناعية قائمة تضم محطات كبرى تشكل العمود الفقري للإنتاج، على غرار محطة بلارة بجيجل التي تفوق قدرتها 1600 ميغاواط، ومحطة حجرة النص بتيبازة بقدرة 1227 ميغاواط، إضافة إلى محطات رأس جنات، تارقة، وكدية الدراوش، التي تتراوح قدراتها بين 1200 و1227 ميغاواط. وتعتمد أغلب هذه المنشآت على تكنولوجيا الدورة المركبة، ما يضمن كفاءة تشغيلية مرتفعة واستغلالا أمثل للغاز الطبيعي. وبالتوازي مع مشاريع الإنتاج التقليدي، تتجه الجزائر نحو إدماج الطاقات المتجددة ضمن هذه المنظومة، من خلال إطلاق مشاريع بقدرة تصل إلى 3 غيغاواط من الطاقة الشمسية، موزعة على عدة ولايات، في إطار برنامج يستهدف تقليل الضغط على الغاز على المدى المتوسط. هذا التوسع المزدوج، بين تعزيز المحطات الحرارية وتطوير الطاقات النظيفة، لا يهدف فقط إلى زيادة الإنتاج، بل إلى بناء منظومة كهربائية أكثر توازنا ومرونة، قادرة على مواكبة الطلب الداخلي وتهيئة الأرضية لمرحلة التصدير.
تغطية شبه شاملة واستقرار في الإمدادات.. شبكة وطنية بلغت مرحلة النضج
وتعكس نسب التغطية الوطنية بالكهرباء في الجزائر بلوغ الشبكة مرحلة متقدمة من النضج، حيث تقترب من 99 بالمائة على المستوى الوطني، ما يجعلها من بين أعلى المعدلات في المنطقة.
ولا يقتصر هذا الامتداد على المدن الكبرى، بل يشمل أيضا مناطق واسعة من الجنوب والهضاب، بفضل استثمارات متواصلة في توسيع الشبكات وربط المناطق المعزولة، إلى جانب برامج موازية لرفع نسبة التغطية بالغاز التي تجاوزت 77 بالمائة مع هدف بلوغ 80 بالمائة خلال 2026. ولا تنفصل هذه التغطية شبه الشاملة عن مستوى الاستقرار الذي أظهرته المنظومة الكهربائية، خاصة خلال فترات الضغط القصوى. فقد تمكنت الشبكة الوطنية من تلبية ذروة استهلاك بلغت 20 ألفًا و628 ميغاواط في 24 يوليو 2025 دون تسجيل انقطاعات واسعة، رغم الظروف المناخية الصعبة وارتفاع الطلب المرتبط بموجات الحر. ويعكس هذا الأداء قدرة تشغيلية عالية، مدعومة بتوزيع متوازن للإنتاج وتدعيم مستمر لشبكات النقل والتحويل. ويُعزز هذا الاستقرار أيضا من خلال مشاريع الربط بين الشمال والجنوب، حيث خصصت الجزائر استثمارات بنحو 1.5 مليار دولار لإنجاز خطوط نقل كهرباء بطول يقارب 880 كيلومترا، ما يسمح بتحسين تدفق الطاقة وتقليص الفوارق الجغرافية في التوزيع. كما تساهم هذه المشاريع في تقوية مرونة الشبكة، وتمكينها من استيعاب الزيادات في الإنتاج، خاصة مع دخول محطات جديدة حيز الخدمة. وفي المناطق التي يصعب ربطها بالشبكة التقليدية، بدأت الجزائر في اعتماد حلول بديلة تعتمد على الطاقة الشمسية، مستفيدة من معدل إشعاع يتجاوز 3900 ساعة سنويا في بعض المناطق. هذا التوجه لا يهدف فقط إلى توسيع التغطية، بل إلى ضمان استدامة الإمدادات وتقليل الضغط على الشبكة الوطنية، في إطار منظومة متكاملة تجمع بين الانتشار الجغرافي والاستقرار التقني، وتؤسس لمرحلة أكثر تقدّما في إدارة الطاقة على المستوى الوطني.
توسع استباقي لمواكبة الطلب.. نمو سنوي يتجاوز 5 بالمائة حتى 2027
ولا يأتي تعزيز القدرات الإنتاجية في الجزائر كردّ فعل على ضغط ظرفي، بل كخيار استباقي يستند إلى مؤشرات واضحة على تسارع الطلب.
فوفق تقديرات حديثة، سجّل الطلب على الكهرباء ارتفاعًا بنسبة 5.4 بالمائة خلال 2024، مع توقعات باستمرار هذا النسق بمعدل سنوي يقارب 5.2 بالمائة إلى غاية 2027، ما يعكس تحوّل الكهرباء إلى عنصر أساسي في النمو الاقتصادي والأنماط المعيشية، خاصة مع التوسع العمراني وزيادة الاستهلاك المنزلي والصناعي. وفي هذا السياق، تعمل الجزائر على إدماج قدرات جديدة بشكل متدرج لضمان توازن دائم بين العرض والطلب، من خلال إدخال محطات إضافية مثل مستغانم بقدرة 1.5 غيغاواط، إلى جانب مشاريع أخرى قيد الإنجاز. كما يتم دعم الشبكة عبر تحسين كفاءة النقل والتوزيع، لتقليص الفوائد وضمان وصول الطاقة إلى مختلف المناطق بنفس الجودة، خاصة في ظل توسع النشاط الاقتصادي خارج المراكز التقليدية. ولا يقتصر هذا التوسع على الإنتاج التقليدي فقط، بل يشمل أيضا تنويع مصادر الطاقة لمواكبة الطلب المستقبلي بشكل أكثر استدامة. فإطلاق مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة تصل إلى 3 غيغاواط، موزعة على عدة ولايات، يندرج ضمن رؤية تهدف إلى تخفيف الضغط على الغاز الطبيعي، وضمان استمرارية الإمدادات على المدى الطويل. وبهذا، يتحول التوسع الطاقوي من مجرد استجابة للطلب إلى أداة تخطيط استراتيجي تواكب التحولات الاقتصادية والديموغرافية في البلاد.
فائض قابل للتصدير.. من تزويد تونس إلى مشاريع الربط مع أوروبا
لم يعد فائض الإنتاج الكهربائي في الجزائر مجرد هامش أمان تقني، بل تحوّل إلى رصيد قابل للاستثمار خارج الحدود، وهو ما بدأ يتجسّد فعليا عبر تزويد تونس بنحو 500 ميغاواط بشكل يومي، في إطار تعاون إقليمي يعكس قدرة المنظومة الوطنية على تغطية الطلب الداخلي والاستجابة لاحتياجات دول الجوار في الوقت نفسه.
ويؤكد هذا المستوى من التصدير استقرار الشبكة الوطنية ومرونتها، خاصة في فترات الذروة التي لم تمنع استمرار تدفق الكهرباء نحو الخارج. ويتجاوز هذا التوجه الإطار الثنائي نحو رؤية أوسع للربط الإقليمي، حيث تعمل الجزائر على مشاريع لنقل الكهرباء نحو ليبيا ومصر عبر الأراضي التونسية، بما يسمح بإنشاء شبكة تبادل طاقوي على مستوى شمال إفريقيا. هذا الربط، في حال تجسيده، سيمنح الجزائر موقعا محوريا داخل منظومة كهربائية إقليمية، ويحوّلها من مزود ظرفي إلى فاعل دائم في سوق الطاقة المغاربية والمتوسطية. وفي بعد أكثر طموحا، تبرز مشاريع الربط مع أوروبا، وعلى رأسها المشروع الجزائري–الإيطالي لإنشاء خط بحري لنقل الكهرباء، يستهدف تصدير نحو 2000 ميغاواط، خاصة من الطاقة النظيفة والمنزوعة الكربون. وقد تم في هذا السياق توقيع مذكرات تفاهم بين سونلغاز وسوناطراك مع شركة “إيني” الإيطالية لإجراء دراسة جدوى، ما يعكس انتقال المشروع من مجرد فكرة إلى مرحلة التقييم التقني والاقتصادي. ويستند هذا التوجه نحو التصدير إلى معطيات موضوعية، أبرزها توفر قدرة إنتاجية تفوق الطلب الوطني، واستقرار الإمدادات، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يضع الجزائر في قلب الربط بين إفريقيا وأوروبا. ومع استمرار تطوير مشاريع الإنتاج والطاقات المتجددة، يتحول فائض الكهرباء تدريجيا إلى أداة استراتيجية لتعزيز الحضور الجزائري في أسواق الطاقة، وفتح قنوات جديدة للتعاون الاقتصادي خارج الإطار التقليدي للمحروقات.
من الغاز إلى الاقتصاد.. الكهرباء كرافعة لتنويع المداخيل وتعزيز النفوذ الطاقوي
يرتكز نموذج إنتاج الكهرباء في الجزائر على قاعدة صلبة تتمثل في وفرة الغاز الطبيعي، الذي يهيمن على مزيج التوليد بحصة تقارب 99 بالمائة، أي ما يعادل نحو 95 تيراواط/ساعة من أصل 96.3 تيراواط/ساعة سنويا.
وتُعزَّز هذه القاعدة باحتياطات تفوق 159 تريليون قدم مكعبة، ما يمنح المنظومة استقرارا في الإمدادات وقدرة على تشغيل محطات الدورة المركبة بكفاءة عالية، مع خفض استهلاك الوقود بنحو 30 بالمائة في بعض الوحدات الحديثة، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج وهوامش التنافسية. هذا الاعتماد المدروس على الغاز لا يقتصر على تأمين الكهرباء داخليا، بل يفتح مسارا لتحويل المورد الخام إلى قيمة مضافة أعلى عبر الكهرباء القابلة للتصدير. فبدل الاقتصار على بيع الغاز في صورته الأولية، تسمح القدرة الإنتاجية التي تناهز 27 ألف ميغاواط، والفائض المتاح بعد تغطية ذروة تفوق 20 ألف ميغاواط، بتوجيه جزء من الإنتاج نحو الأسواق الخارجية، سواء عبر تزويد تونس بنحو 500 ميغاواط أو من خلال مشاريع الربط التي تستهدف تصدير ما يصل إلى 2000 ميغاواط نحو أوروبا. وبالتوازي مع هذا المسار، بدأت الجزائر في إدماج الطاقات المتجددة لتدعيم البعد الاقتصادي طويل الأمد، من خلال برامج تصل إلى 3 غيغاواط من الطاقة الشمسية موزعة على عدة ولايات، إلى جانب مشاريع مثل “سولار 1000”. وتستفيد هذه المشاريع من معدلات إشعاع مرتفعة تصل إلى 3900 ساعة سنويا في بعض المناطق، ما يتيح إنتاج كهرباء منخفضة الكربون، قابلة للتسويق في أسواق أوروبية تبحث بشكل متزايد عن مصادر طاقة نظيفة. وعليه، لا يُنظر إلى قطاع الكهرباء كخدمة عمومية فقط، بل كرافعة اقتصادية متعددة الأبعاد، تجمع بين خلق القيمة محليا، وتوسيع فرص التصدير، وتعزيز الحضور الإقليمي. ومع تلاقي وفرة الموارد، وتطور البنية التحتية، وتزايد الطلب الخارجي على الطاقة النظيفة، تتجه الجزائر نحو توظيف الكهرباء كأداة لتنويع المداخيل وتقليص الاعتماد على صادرات المحروقات التقليدية، في إطار رؤية أوسع لتعزيز النفوذ الطاقوي في محيطها الإقليمي.
مصطفى. ع