يحلّ اليوم الوطني للمسنين في المجتمع كمناسبة سنوية تستوقف المجتمع أمام فئة صنعت التاريخ وأسهمت في بناء الحاضر، لكنها اليوم تجد نفسها في مواجهة تحولات اجتماعية متسارعة قد تضعف مكانتها داخل الأسرة والمجتمع، فالمسن ليس مجرد فرد قد بلغ مرحلة عمرية متقدمة، بل هو ذاكرة حية تختزن تجارب عقود طويلة، تمتد في كثير من الأحيان إلى فترات مفصلية من تاريخ البلد، مثل الثورة الجزائرية وما حملته من تضحيات وقيم راسخة، وبين واجب التكريم وواقع التحديات، يطرح هذا اليوم أكثر من سؤال حول موقع المسن في الجزائر اليوم.
لطالما شكّل كبار السن في المجتمع الجزائري مرجعا أساسيا في نقل القيم والعادات والتقاليد من جيل إلى آخر، فهم شهود على مراحل تاريخية واجتماعية عميقة، عاشوا خلالها التحولات الكبرى التي عرفتها البلد، من الاستعمار إلى الاستقلال، ثم بناء الدولة الحديثة، هذه التجارب لم تكن مجرد أحداث عابرة بل تحولت إلى دروس في الصبر، التضحية والعمل الجماعي، وفي المجالس العائلية، كان حضور الجد أو الجدة يضفي معنى خاصا، حيث تُروى القصص وتُستعاد ذكريات الزمن الجميل، فيتعلم الأبناء والأحفاد معنى الانتماء والهوية، هذا الدور التربوي غير الرسمي كان وما يزال أحد أهم أعمدة التماسك الاجتماعي.
كشفت المعطيات الأخيرة للديوان الوطني للإحصاء في الجزائر عن تسجيل نسب متزايدة لكبار السن، ما يفرض إعداد تصورات مستقبلية تستشرف الحاجيات والمتطلبات الاجتماعية والصحية لهذه الفئة في مختلف المجالات، ووضع استراتيجية وطنية بآليات جديدة تضمن التكفل الناجع بالمسنين.
رعاية خاصة بالمسنين

وتعزيزا لحقوق كبار السن، اتخذت وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة جملة من التدابير الرامية إلى ضمان تكفّل ناجع بهذه الفئة من خلال تقديم عدة خدمات اجتماعية وتوفير المرافقة النفسية لهم، واعتماد آلية الوساطة الاجتماعية والأسرية كأداة فعّالة في دعم التلاحم الاجتماعي والأسري.
وقالت وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة صورية مولوجي إن تقدير كبار السن ورعايتهم واجب إنساني يعكس الوفاء لما قدموه، ويجسد القيم الأصيلة للمجتمع الجزائري المرتبطة بهويته الدينية والثقافية.
وأوضحت المتحدثة أن الدولة تولي حماية هذه الفئة أهمية خاصة في برامجها الاجتماعية، ضمن مقاربة تنموية شاملة لإعادة إدماج المسنين في أوساطهم الأسرية والمجتمعية، مع توفير الدعم والمرافقة الضروريين لهم ولعائلاتهم.
وأكدت الوزيرة التزام القطاع بمواصلة العمل لتكريس آليات عملية تكفل رعاية أفضل لكبار السن، في إطار الحفاظ على كرامتهم، وترسيخ قيم التضامن والتلاحم الأسري والاجتماعي.
ووضعت الحكومة الجزائرية على ذمة كبار السن، المنحة الجزافية للتضامن، والمتمثلة في إعانة مالية شهرية تمنح مباشرة للمسنّين من دون دخل، قدرها 7 آلاف دينار جزائري مع ضمان التغطية الاجتماعية للمستفيدين.
بدورها، تقوم خلايا التضامن، التابعة لوكالة التنمية الاجتماعية، بالتنسيق مع مديريات النشاط الاجتماعي عبر الولايات وبمشاركة الفاعلين في المجال الاجتماعي، بعدة نشاطات لفائدة الأشخاص المسنين، تشمل تقديم الدعم النفسي والمرافقة والإعانات العينية.
من مركز العائلة إلى هامشها

ساهمت التحولات الكثيرة التي عرفها المجتمع الجزائري في العقود الأخيرة، خاصة مع تسارع نمط الحياة، وخروج المرأة للعمل وتغير طبيعة العلاقات الأسرية في التأثير بشكل ملحوظ على مكانة المسن داخل الأسرة، فبعد أن كان في قلب البيت وصاحب القرار والمشورة، أصبح في بعض الحالات على الهامش يُراقب أكثر مما يُشارك.
هذا التغير لا يعني بالضرورة تراجع القيم لكنه يعكس نمط حياة جديد فرضته الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ومع ذلك تبقى مسؤولية الحفاظ على مكانة المسن قائمة، باعتبارها جزءا من الهوية الثقافية للمجتمع الجزائري الذي لطالما عُرف بروابطه العائلية القوية.
بين الرعاية العائلية والدور المؤسساتي

ما تزال العائلة في الجزائر تلعب الدور الأساسي في رعاية كبار السن، حيث يُفضّل الكثيرون بقاء المسن داخل محيطه العائلي بدل اللجوء إلى دور الرعاية، ويُنظر إلى التكفل بالوالدين أو الأجداد على أنه واجب أخلاقي وديني قبل أن يكون مسؤولية اجتماعية.
في المقابل تسعى الدولة الجزائرية من خلال برامج اجتماعية وصحية إلى دعم هذه الفئة، سواء عبر التغطية الصحية أو المساعدات المالية، إضافة إلى بعض المبادرات التي تهدف إلى تحسين جودة حياتهم، كما تنشط جمعيات محلية في تنظيم زيارات وتقديم مساعدات وإقامة نشاطات ترفيهية تُساهم في كسر العزلة التي قد يعاني منها بعض المسنين.
العزلة.. التحدي الصامت

من أبرز التحديات التي تواجه كبار السن اليوم، نجد العزلة الاجتماعية خاصة في المدن الكبرى، فمع انشغال الأبناء بالعمل والدراسة، قد يجد المسن نفسه يقضي ساعات طويلة بمفرده وهو ما ينعكس سلبا على حالته النفسية.
العزلة لا تعني فقط البقاء وحيدا بل قد تشمل أيضا الشعور بعدم الأهمية أو فقدان الدور داخل الأسرة، وهذا ما يستدعي إعادة التفكير في طرق دمج المسنين في الحياة اليومية، سواء من خلال إشراكهم في اتخاذ القرارات العائلية أو تشجيعهم على المشاركة في نشاطات اجتماعية وثقافية.
قصص من الواقع.. حكمة وصبر

في كل حي جزائري، يُمكن أن نصادف قصة مسن تحمل بين طياتها الكثير من المعاني.. نجد جدا قضى سنوات شبابه في خدمة الوطن، وجدة ربّت أجيالا في ظروف صعبة، لكنها اليوم تكتفي بابتسامة هادئة وهي تتابع حياة أحفادها، هذه النماذج ليست استثناء بل هي صورة مصغرة عن جيل كامل عاش التحديات وواجهها بإيمان وصبر.
مثل هذه القصص يجب أن تُروى وتُوثق ليس فقط كنوع من الاعتراف، بل أيضا كوسيلة لإلهام الأجيال الصاعدة التي قد لا تدرك حجم التضحيات التي بُني عليها واقعها الحالي.
إحياء ثقافة البرّ.. من الشعارات إلى الممارسة

رغم كل التحديات، يبقى المجتمع الجزائري متمسكا بقيم البر والاحترام تجاه كبار السن، لكنها تحتاج اليوم إلى تفعيل عملي أكثر من أي وقت مضى، فزيارة الجد أو الجدة، والاستماع إليهما وقضاء وقت معهما، كلها ممارسات بسيطة لكنها ذات أثر كبير، كما يُمكن للمدارس ووسائل الإعلام أن تلعب دورا مهما في ترسيخ هذه القيم لدى الأطفال والشباب من خلال برامج توعوية تُبرز أهمية المسن في المجتمع وتُشجع على احترامه والعناية به.
هذا، ولا يُعد اليوم الوطني للمسنين في الجزائر مجرد مناسبة رمزية، بل هو دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لفئة تستحق كل التقدير، فالمسنون ليسوا عبئا على المجتمع، بل هم جزء من ذاكرته وروحه، وبين تحديات الحاضر وواجبات المستقبل، يبقى الرهان الحقيقي هو كيف نحافظ على الرصيد الإنساني، ونضمن له حياة كريمة تليق بما قدمه.
لمياء. ب