حين تحول الفرح بالنصر إلى مأساة وطن

08 ماي 1945.. الذكرى التي لا تموت

08 ماي 1945.. الذكرى التي لا تموت

في الوقت الذي كان فيه العالم يحتفل بانتهاء الحرب العالمية الثانية يوم 08 ماي 1945، كانت الجزائر على موعد مع واحدة من أكثر المحطات مأساوية في تاريخها الحديث.

بينما عمت مظاهر الفرح في أوروبا بانتصار الحلفاء على النازية، خرج الجزائريون في عدة مدن يطالبون بحقهم في الحرية والاستقلال، آملين أن تمتد قيم الحرية التي دافع عنها العالم لتشملهم أيضا، غير أن رد الاستعمار الفرنسي كان صادما ودمويا حوّل تلك الاحتفالات إلى مجازر ما تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الجماعية اليوم.

 

.. وعود لم تتحقق

خلال الحرب العالمية الثانية، شارك آلاف الجزائريين في صفوف الجيش الفرنسي، دفاعا عن مبادئ الحرية التي رفعتها فرنسا وشركاؤها، وقد تعلقت آمال كبيرة لدى الشعب الجزائري بأن تترجم هذه التضحيات إلى إصلاحات حقيقية أو حتى إلى الاستقلال، لكن بعد نهاية الحرب، بدا واضحا أن الإدارة الاستعمارية لم تكن مستعدة للتخلي عن سيطرتها، وهو ما دفع الوطنيين إلى الخروج في مظاهرات سلمية للتعبير عن مطالبهم.

 

مساندة فرنسا في الحرب

شارك المجندون الجزائريون في معارك عديدة بأوروبا دفاعا عن فرنسا، ومن بينها معركة مونتي كاسينو 1944 التي وقعت في جبال الأبينين بإيطاليا، وكانت إحدى أكثر المعارك دموية في الحرب، وكان لهم دور حاسم في كسر الدفاعات الألمانية رغم التضاريس الوعرة.

وكانوا من أوائل الجنود الذين نزلوا في جزيرة كورسيكا لتحريرها من الاحتلال الألماني والإيطالي عام 1943، وأسهموا في العمليات العسكرية إلى جانب قوات فرنسية، وكانت هذه أول أرض فرنسية تتحرر بمشاركة قوات من شمال إفريقيا.

وكانت معركة “إنزال بروفانس” في 15 أوت 1944 من أضخم المعارك، إذ نزل المجندون الجزائريون على شواطئ بروفانس لمواجهة القوات النازية وشاركوا في تحرير مدن رئيسية مثل تولون ومارسيليا.

وبعد ذلك الإنزال خاضوا معارك أخرى لتحرير منطقة الألزاس شمالي فرنسا من قبضة الألمان بجيش قوامه 260 ألفا، ورغم قسوة الظروف المناخية، فإن المجندين الجزائريين شاركوا بفاعلية في إحكام السيطرة على المنطقة.

ومع اقتراب نهاية الحرب واصل المجندون التقدم مع القوات الفرنسية لعبور نهر الراين عام 1945 حتى دخلوا إلى الأراضي الألمانية وأضعفوا آخر دفاعات النازيين وأرغموهم على الاستسلام في ماي 1945.

وقد فضحت المجازر المروعة التي ارتُكبت في سطيف، قالمة وخراطة، السردية التي كانت تروّج لها فرنسا الاستعمارية، بعدما تبيّن أن سبب اندلاع أعمال القتل والتنكيل ضد عشرات الآلاف من الجزائريين الذين خرجوا إلى الشوارع احتفالًا بنهاية الحرب العالمية الثانية، وتذكيرًا لفرنسا بوعودها تجاه من ساهموا في الدفاع عنها، كان هو المجاهرة بمطلب الاستقلال والاصطفاف خلف راية وطنية واحدة ظهرت بشكل تاريخي في ذلك اليوم.

ورسمت مجازر 08 ماي 1945 رسالة نبيلة تناقلتها الأجيال، وأظهرت مدى فظاعة التضحيات التي قُدمت في سبيل استرجاع الأرض والحرية، مما جعل من الذاكرة الوطنية ملفًا لا يَقبل التآكل بالتقادم أو التناسي، ولا يقبل التنازل أو المساومة.

 

مظاهرات سلمية تتحول إلى قمع دموي

انطلقت المظاهرات في مدن مثل سطيف، قالمة وخراطة، حيث رفع المتظاهرون الأعلام الجزائرية ولافتات تنادي بالحرية، غير أن هذه المسيرات قوبلت بعنف شديد من قبل القوات الاستعمارية، خاصة بعد حادثة إطلاق النار على أحد المتظاهرين، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر بسرعة، وسرعان ما تحولت المواجهات إلى حملة قمع واسعة النطاق استخدمت فيها القوة العسكرية بشكل مفرط.

 

آلة القمع الاستعماري

لم يقتصر الرد الفرنسي على تفريق المتظاهرين، بل تحول إلى عمليات انتقام جماعية استهدفت المدنيين في القرى والمناطق المجاورة، فقد تم قصف مناطق كاملة، واعتقال الآلاف وتنفيذ إعدامات ميدانية دون محاكمة، وتشير التقديرات إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا الجزائريين في واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية في القرن العشرين.

 

من الصدمة إلى الوعي الثوري

شكلت أحداث 08 ماي 1945 نقطة تحول حاسمة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، إذ أدرك الجزائريون أن المطالبة السلمية لن تحقق لهم الاستقلال، وأن الاستعمار لا يفهم سوى لغة القوة، ومن هنا بدأت ملامح الكفاح المسلح تتبلور، لتتجسد لاحقا في ثورة التحرير التي اندلعت سنة 1954.

وقال المجاهد الراحل حسين آيت أحمد: “إن أول نوفمبر 1954 بدأ في الثامن من ماي 1954″، وهو يوم المظاهرات التي يعدّها المؤرخون محطة فارقة في حسم علاقة الجزائريين مع الاستعمار.

 

واجب الحفاظ على الحقيقة

Peut être une image de ‎texte qui dit ’‎مجارد ኔ ماك5و 01ي_5491 L‎’‎

تبقى ذكرى 08 ماي محفورة في وجدان الجزائريين، ليس فقط كرمز للمعاناة، بل أيضا كدليل على صمود شعب رفض الخضوع، وتحيي الجزائر هذه الذكرى سنويا من خلال فعاليات رسمية وشعبية تأكيدا على ضرورة نقل الحقيقة للأجيال القادمة، والحفاظ على الذاكرة من النسيان أو التشويه.

 

رسالة إلى الأجيال: الحرية ثمنها غالٍ

إن استحضار هذه الذكرى ليس مجرد استرجاع لماضٍ أليمٍ، بل هو دعوة للتأمل في قيمة الحرية والاستقلال، فالدماء التي سالت في ذلك اليوم لم تذهب سدى، بل كانت الشرارة التي أنارت طريق التحرر، وعلى الأجيال الجديدة أن تدرك أن ما تنعم به اليوم من سيادة واستقلال هو نتيجة تضحيات جسام وأن الحفاظ عليه مسؤولية جماعية.

وأكد باحثون في التاريخ أن تاريخ 08 ماي 1945 يُعد مناسبة عظيمة ودفعًا جديدًا لجزائر الوعي، معتبرين إياه ذاكرة وعي وإدراك بالنسبة للجزائريين، لمعرفة حقيقة المستعمر الذي سعى إلى استعمار الشعوب حتى في معتقداتها. كما شددوا على أن استحضار هذا التاريخ الذي يُعد بمثابة انطلاقة جديدة وثقافة متجددة للتضحية من أجل الوطن، معتبرين أن أحداث 08 ماي تُعد طفرة تاريخية في إنتاج الوعي لدى الجزائريين.

هذا، ويبقى 08 ماي 1945 شاهدا على مرحلة سوداء من تاريخ الاستعمار الفرنسي، وعلى إرادة الشعب الجزائري التي لم تنكسر رغم القمع والدمار، فهي ذكرى تُجدد العهد مع التاريخ وتؤكد أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع وأن الشعوب التي تتمسك بحقوقها لابد أن تنتصر.

لمياء. ب