في اليوم العالمي لحرية التعبير، تبرز مواقع التواصل الاجتماعي كواحدة من أبرز المنصات التي منحت الأفراد فرصة غير مسبوقة للتعبير عن آرائهم، فقد تحولت هذه الفضاءات الرقمية إلى ساحة مفتوحة للنقاش وتبادل الأفكار، لكنها في المقابل أثارت جدلا واسعا حول حدود هذه الحرية وتأثيراتها على المجتمع.
لم يعد التعبير عن الرأي حكرا على الصحفيين أو النخب، بل أصبح في متناول الجميع، فبضغطة زر يمكن لأي شخص أن يشارك رأيه أو قضيته مع آلاف المتابعين، هذا التحول ساهم في كسر حاجز الصمت ومنح صوت للفئات التي كانت مهمشة في السابق.
حرية بلا حواجز أم فوضى رقمية

رغم هذا الانفتاح، إلا أن غياب الضوابط في بعض الأحيان أدى إلى تجاوزات واضحة، من نشر الإشاعات أو الإساءة للأشخاص أو المؤسسات، وهو ما جعل البعض يعتبر أن هذه الحرية تحولت إلى فوضى، خاصة في ظل سرعة انتشار المحتوى وصعوبة التحكم فيه.
بين الوعي وسوء الاستعمال
يرى مختصون أن المشكل لا يكمن في الوسيلة بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها، فمواقع التواصل يمكن أن تكون أداة للتوعية ونشر المعرفة، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتضليل ونشر السلبية، وهنا يظهر دور الوعي الفردي في توجيه هذا الفضاء نحو ما يخدم المجتمع.
منبر مفتوح.. وصوت للجميع
في الجزائر، أصبح بإمكان أي مواطن أن يعبر عن رأيه بحرية عبر هذه المنصات، حيث يناقش العديد من المستخدمين قضايا اجتماعية واقتصادية، مثل البطالة، السكن وغلاء المعيشة، إضافة إلى المشاكل اليومية كالنقل والخدمات العمومية، كما تحولت الصفحات المحلية إلى فضاءات يعبر فيها المواطنون عن انشغالاتهم، مما ساهم أحيانا في لفت انتباه الجهات المعنية.
وقد شهدت عدة حالات تدخلا من السلطات بعد انتشار منشورات توثق اختلالات في بعض المرافق، مثل الطرقات أو المؤسسات التربوية، وهو ما يعكس الدور الرقمي في نقل صوت المواطن.
.. حين تتحول الحرية إلى فوضى

في المقابل، أدى سوء استخدام هذه الوسائل إلى ظهور ممارسات سلبية من أبرزها انتشار الأخبار الزائفة، ففي بعض المناسبات تم تداول معلومات غير دقيقة حول عدم توفر بعض المواد الأساسية أو نتائج الامتحانات، مما تسبب في حالة من القلق والارتباك لدى المواطنين.
وتبرز هذه الظاهرة خطورة غياب التحقق من مصادر المعلومات، حيث يمكن لمنشور واحد غير دقيق أن ينتشر بسرعة ويؤثر على فئات واسعة من المجتمع.
التشهير والتنمر.. الوجه الآخر للحرية
من التحديات الأخرى التي أفرزتها هذه المنصات، انتشار ظاهرة التشهير والتنمر الإلكتروني، إذ يتم في بعض الأحيان تداول صور أو معلومات شخصية دون إذن أصحابها، أو إطلاق أحكام مسبقة بناء على محتوى مجتزأ من سياقه.
وقد تعرض بعض الأفراد في المجتمع الجزائري لحملات انتقاد وسخرية خلفت آثارا نفسية واجتماعية سلبية، ما يطرح إشكالية استخدام هذه الوسائل.
محتوى هادف ومبادرات إيجابية
رغم كل هذه السلبيات لا يمكن تجاهل الدور الإيجابي الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي، فقد برزت العديد من المبادرات التي يقودها شباب جزائريون من خلال تقديم محتوى تعليمي وتوعوي أو تنظيم حملات تضامن لفائدة الفئات المحتاجة.
كما تنتشر خلال المناسبات الدينية أو في فترات البرد، مبادرات لجمع التبرعات ومساعدة المحتاجين، مما يعكس روح التضامن التي يمكن أن تعززها هذه المنصات.
الشباب بين التأثير والمسؤولية
يعد الشباب الفئة الأكثر استخداما وتأثيرا في هذه الوسائل، حيث يمكن لمنشور أو مقطع فيديو أن يصل لعدد كبير من المتابعين في وقت قصير، غير أن هذا التأثير يفرض مسؤولية كبيرة، إذ يتعين على المستخدمين إدراك أثر ما ينشرونه على الرأي العام.
نحو ثقافة رقمية واعية
أمام هذا الواقع تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة رقمية قائمة على الوعي والمسؤولية، من خلال التحقق من المعلومات قبل نشرها، واحترام الآخر وتقبل الاختلاف، كما تلعب الأسرة والمؤسسات التربوية دورا مهما في توجيه الأفراد نحو الاستخدام الإيجابي لهذه الوسائل.
دور الاعلام والتوعية في ترشيد الاستخدام
لا يقتصر تعزيز حرية التعبير على القوانين فقط، بل يمتد أيضا إلى دور الاعلام والمؤسسات التربوية في نشر الوعي بكيفية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مسؤول، فوسائل الاعلام مطالبة بتقديم محتوى مهني يرسخ ثقافة التحقق من الأخبار، ويشجع على النقاش الهادئ والبناء، كما تلعب المدرسة دورا أساسيا في تكوين جيل رقمي، يدرك أن حرية التعبير لا تعني الانفلات بل تقوم على احترام القيم والأخلاق، إن ترسيخ هذه الثقافة من شأنه أن يحول هذه المنصات من فضاء للفوضى إلى أداة فعالة للتوعية والتغيير الإيجابي داخل المجتمع.
الإطار القانوني.. حرية مكفولة وضوابط قائمة
يكفل الدستور الجزائري حرية التعبير باعتبارها حقا أساسيا من حقوق المواطن، غير أن ممارستها تبقى مؤطرة بجملة من القوانين التي تهدف إلى حماية الأفراد والمجتمع.
فالقانون يعاقب على الأفعال التي تتجاوز حرية التعبير مثل التشهير، القذف، نشر الأخبار الكاذبة، المساس بالحياة الخاصة أو خطاب الكراهية، كما تنص التشريعات على ضرورة احترام النظام العام والآداب العامة عند التعبير عن الرأي، خاصة في الفضاء الرقمي الذي يعرف انتشارا واسعا وسريعا للمحتوى، وفي هذا السياق يسعى المشرع الجزائري إلى تحقيق توازن دقيق بين ضمان حرية التعبير ومنع استغلالها للإضرار بالغير، ما يجعل من الوعي القانوني عنصرا ضروريا لكل مستخدم لهذه المنصات.
هذا، وتبقى وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر كما في غيرها من البلدان سلاحا ذا حدين، فهي إما أن تكون فضاء يعزز حرية التعبير ويساهم في تطوير المجتمع أو تتحول إلى مصدر للفوضى والانقسام، ويبقى الرهان الحقيقي في وعي المستخدمين وقدرتهم على توظيف هذه الحرية بما يخدم الصالح العام للبلد.
لمياء. ب