الرئيسية / ملفات / رسوم تخدش الحياء وأخرى تسبب السرطان و”السيدا”… الوشم.. حكاية “رجلة” زائفة بين الشباب
elmaouid

رسوم تخدش الحياء وأخرى تسبب السرطان و”السيدا”… الوشم.. حكاية “رجلة” زائفة بين الشباب

قراءات أنثروبولوجية توضح تباين أسباب لجوء الجزائريين للوشم

شكل موضوع “الوشم” محور يوم دراسي وطني احتضنته قاعة المحاضرات بالمركب الثقافي “عائشة حداد” ببرج بوعريريج، حيث أكد المتدخلون أن الوشم يعد من الموروثات الثقافية الشعبية، كما تطرق المتدخلون إلى الوشم الحديث والشكل الجديد الذي أصبح الناس في المدة الأخيرة يتهافتون عليه، خاصة في البلدان الأوروبية والأمريكية ومدى تأثيره على الشباب الجزائري.

من جهتها، اعتبرت الدكتورة زهية بن عبد الله، من مركز البحوث ما قبل التاريخ، أنّ الموضوع يعرض ظاهرة اجتماعية كانت موجودة منذ القدم وعاد إليها شباب اليوم، وأضافت أنّه في تراثنا كانت المرأة توشم منذ القدم لأسباب ومعايير وأغراض مختلفة، حيث كانت توشم للزينة، إلا أنه من ناحية القراءات الأنثروبولوجية الموجودة في المجتمع، توضح المختصة أن المرأة في القديم تستعمل الوشم لأغراض انتمائية، وإبان الاستعمار كانت توشم لتنفر جنود العدو منها، كما أضافت أنه كان في الثقافة مظهرا بدائيا يعبر عن السحر والشعوذة، وكذا لأغراض طبية، قالت بأن عودة الشباب إلى الوشم في الحقيقة صناعة الموضة التي طورت هذا الوشم بمنظر الجمال، وإن كان يعتبر منذ القدم فنا من الفنون.

 

رسومات تعدد ما بين الحب والقوة

الملاحظ لأجساد بعض الشباب خاصة على مستوى الكتف أو الذراعين أو اليدين أوحتى الصدر أو البطن، تجلبه عدة رسومات بعضها عبارة عن أفاع، جماجم وديناصورات، ولعل وراء هذه الرسومات رسالة تقول “أنا قوي الشخصية”، وربما تكون الرسومات على شكل قلب يخترقه سهم وما أكثر هذا النوع من الرسومات التي تعلن عن تيار الحب الجارف في عالم الشباب المهووس بالمشاعر الدافئة والأحلام الوردية!

هي عموما أشكال مختلفة، كلمات ورموز عديدة يظهر بها عشاق الوشم، وقد لا تكون في النهاية سوى تقليد لبعض المشاهير ونجوم الأغاني الصاخبة، وما زاد من انتشار هذه الموضة خاصة في وسط الفتيات هو ابتكار الوشم “بالحرقوس” أو الوشم سهل الزوال، بحيث يزول تدريجيا مع مرور الوقت على خلاف الوشم الذي عرف منذ القدم، والذي يعتمد على الإبر لإدخال مادة الحبر تحت الجلد، وعليه لا يمكن أن يزول إلا بماء النار، ولقد سهل حاليا التقدم العلمي إزالته بأشعة الليزرما يسمح بتغيير رموزه ورسوماته.

 

وللحاجبين والشفاه وشمها.. !

والملفت أيضا هو أن بعض النسوة يستعملن نوعا من الوشم الذي يصعب زواله لرسم الحاجبين وما حول الشفاه كنوع من الزينة التي قد تكلف 6 آلاف دج، فيما تلجأ أخريات لاستخدام الوشم “بالحرقوس” الذي يعد أقل تكلفة، حيث يتطلب ما بين 50 و100 دج فقط.

 

بين ألم التهميش ولذة التعذيب!

طرحنا سؤالنا على مختصة في علم النفس مكلفة بالدروس بجامعة الجزائر، فأوضحت أن هذا النوع من التزيين الذي يلجأ إليه الشباب من كلا الجنسين لديه دلالات خفية فالبعض يلجأ إليه لجلب انتباه الآخرين، وهنا يتعلق الأمر بأشخاص يشعرون بأنهم مرفوضون ومهمشون، لذا تجدهم يوشمون في أجزاء جسدية ظاهرة تلفت نظر الناس مثل الكتف والذراع، فهي باختصار طريقة لنقل رسالة مفادها “أنا موجود”.

وهذه الرسالة التي تترجم الشعور بالتهميش من طرف الأسرة أو المجتمع عبارة عن تعويض عن الدفء المفتقد في الوسط العائلي، وهو الأمر الذي ينطبق على كلا الجنسين، ولو أن الفتيات أكثر إقبالا على عملية الوشم لأنهن بطبيعتهن عاطفيات ويحتجن للعاطفة أكثر من الذكور.

ومن ناحية أخرى يعبر الوشم عن موضة إجتاحت عالم الشباب المتأثر بالمشاهير والمهووس بتقليدهم، وبالتالي يكون لجوء الشباب إلى الوشم في هذه الحالة بمثابة نتاج طبيعي للغزو الثقافي الذي أفرز عدة تأثيرات في ظل تراجع دور التنشئة الإجتماعية كما ترى الأستاذة منيرة زلوف أن علم النفس ربط بين الوشم والإضطرابات النفسية، حيث أن العديد من الأشخاص الذين يقدمون على الوشم ليسوا طبيعيين يخفون وراء رسوماتهم ورموزهم سببا “مازوشيا” أي إضطرابا نفسيا يجسد مفهوم مفاده أن الشخص يتلذذ بتعذيب نفسه، وعليه يكون الوشم في هذه الحالة بمثابة جرح جسدي يجلب اللذة.

 

مـحلات غير مرخصة وأدوات تهدّد سلامة الواشم

بالمقابل وجد هواة هذا النوع من الموضة، ملاذهم في الربح المادي من خلال تجارة غير شرعية يمتهنون فيها “الوشم” على أجساد شباب أغلبهم مراهقين جرتهم موجة الموضة، إلى أشياء غير منطقية بنحت رموز وأشكال على أجساد زبائن يجهلون خطورة ذلك على المدى البعيد..

وفي السياق، قال أحد مالكي محل للوشم عرض رقمه وعنوانه على صفحة خاصة بالـ “التاتو” في الفايسبوك، إنه يقصده زبائن كثر ومن الجنسين، طالبين تزيين أجسادهم بمختلف الأشكال، موضحا أنه لا يرضى الوشم لزبائن أقل من سن الـ18، ويستعمل أجهزة حديثة من إبر معقمة وحبرا ذا مقاييس عالمية، تفاديا لأية أضرار قد تلحق الواشم، وهو حاصل على دبلوم من إسبانيا في فن التوشيم ونحت الأجساد، فيما أكد أن أسعار الوشم تختلف من رسم لآخر، أين تتراوح أسعارها من 5 آلاف دينار إلى ما يفوق 3 ملايين سنتيم، مضيفا أنه يتخلص من الإبر التي يستعملها في كل مرة، ولا يستعمل إبرة واحدة لأكثر من وشم، لتفادي انتقال أمراض ما من زبون لآخر، مصرحا أنه يعمل في إطار غير قانوني، ويخشى أي شبهات قد تلحق بتجارته التي يمارسها منذ أزيد من 04 سنوات، بعد أن عجز عن الحصول على ترخيص من السلطات المعنية، لممارسة نشاط الوشم، والذي لا يوجد ضمن النشاطات التي يحتويها ملف السجل التجاري.

ويقول صاحب محل آخر للوشم عثرنا على عنوانه عبر صفحات الفايسبوك هو الآخر، لا نستخدم الإبر أكثر من مرة، كما نعمل على حفظ الحبر جيدا بعد كل عملية، ونضعه بعيداً عن مكان رسم الوشم، كما نقوم بتبديل الأدوات والإبر بعد كل استخدام، وذلك حفاظا على صحة الزبائن، وتفاديا لتنقل فيروس نقص المناعة المكتسبة وفيروسات التهاب الكبد الفيروسي بعد أن علمنا أن تنقل هذه الفيروسات ممكن من خلال عملية الوشم.

 

حالة من التمرّد في التعبير والتحرّر من الكثير من القيم

الوشم كظاهرة كان موجودا عبر التاريخ حتى في الحضارة العربية الإسلامية، فقد كان الشعراء يصفون وشم الحبيبة باعتباره سمة من سماتها الجمالية، وفي مجتمعاتنا العربية وجد الوشم خاصة في بلدان شمال إفريقيا وتحديدا في المناطق البدوية كمظهر من مظاهر الزينة وكان خاصة على الوجه بأشكال محدّدة ومميزة، لكن بعد استقلال هذه الدول وقع العزوف عن الوشم بل انتشرت عمليات تجميل للتخلص منه واستمر هذا تقريبا إلى التسعينيات، غير أنه عاد وبقوة بين الشباب العربي في الألفية الثانية بصبغة وأشكال جديدة ومرجعية ثقافية جديدة منها:

أولا: أغلب الذين عادوا إلى وشم أجسامهم هم من الشباب.

ثانيا: تغيّرت أشكال الوشم إلى صور تعبيرية أحيانا ملونة تحمل شعارات أو تستبطن حكاية يمكن استقراء خلفياتها الثقافية أو الحضارية إمّا قصة عشق أو حكاية رحلة أو رموز تعبيرية على التمرد ضد ما هو سائد أو الوحدانية.

ثالثا: لم يعد الوشم أو “التاتو” مجرد خطوط بل اتخذ شكلا فنيا ومن يقوم به مختص ويجيد الرسم.

 رابعا: أغلب الذين يضعون وشما هم الذين خاضوا تجربة غريبة، كأن الوشم يتحوّل إلى تدوين حكاية أو رحلة حياة أو تجربة قاسية أو علاقة غرامية لا تزول من الذاكرة ولا تزول من الجسد.

خامسا: التوجه الجديد في الوشم ذو البعد التشكيلي ذو جذور غربية، وهو شكل من الأشكال التعبيرية أيضا الجمالية لأننا قد نرى وشما هو عبارة عن حديقة ورود، كما يمكن أن يكون شكلا من الأشكال التعبيرية الثورية لما يحتويه من شعارات.

الجسد أرضية فردية ومن يختار أن يميز جسده بوشم معين قد يريد بث رسالة ضمنية تحمل رغبة في التحرر من جملة من القيود الاجتماعية، الفكرية، الثقافية، الدينية، وهناك خلفية نفسية “اجتماعية” لدى شبابنا العربي وراء انتشار الرغبة في الوشم وحالة من التمرّد والرغبة في التعبير، ربما يحمل أيضا تصورا جماليا جديدا بمنظور يجمع بين الموروث “التراثي والغربي المعاصر”، لذا الوشم يتحوّل من مجرّد عملية بسيطة إلى ظاهرة ثقافية ونفسية تستحق الدراسة.