لم تعد الجامعة في الجزائر تقتصر على المدرجات والمحاضرات فقط، بل أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي جزءا من الحياة اليومية للطلبة، ففي السنوات الأخيرة، اتجه عدد كبير من الشباب الجامعي إلى عالم صناعة المحتوى، مستغلين الفضاء الرقمي للتعبير عن أفكارهم ومواهبهم، وأحيانا لتحقيق دخل يساعدهم على مواجهة أعباء الحياة والدراسة.
ومع الانتشار الواسع لمنصات “تيك توك” و”الانستغرام” وغيرها، تحولت صناعة المحتوى من مجرد هواية إلى نشاط يجذب اهتمام الطلبة بشكل متزايد، خاصة في ظل التطور الرقمي الذي يشهده العالم اليوم.
من هواية إلى مصدر دخل
بالنسبة للكثير من الطلبة الجزائريين، كانت البداية بسيطة جدا، أغلبها تقتصر على مجرد تصوير فيديوهات قصيرة أو مشاركة يوميات جامعية ومواقف طريفة عبر الأنترنت، لكن مع مرور الوقت وارتفاع عدد المتابعين، بدأ البعض يكتشف أن هذا المجال قد يتحول إلى فرصة حقيقية لتحقيق دخل مادي.
فبعض الطلبة أصبحوا يقدمون محتوى تعليميا لمساعدة زملائهم في المراجعة، بينما اختار آخرون مجالات الطبخ، التصوير، التكنولوجيا أو حتى التوعية الاجتماعية، كما اتجه عدد منهم إلى الترويج للمشاريع الصغيرة والمنتجات المحلية عبر صفحاتهم، وهو ما فتح أمامهم أبوابا جديدة للعمل الحر.
وفي ظل الظروف الاقتصادية وزيادة متطلبات الطلبة، يرى الكثير منهم أن صناعة المحتوى يمكن أن تكون وسيلة لتخفيف الأعباء المالية دون التخلي عن الدراسة.
محتوى هادف وآخر يبحث عن “الترند”
ورغم الجوانب الإيجابية التي يوفرها هذا المجال، إلا أن النقاش يبقى قائما حول نوعية المحتوى الذي يقدمه بعض الشباب، فبينما يحاول البعض تقديم محتوى ثقافي أو تعليمي هادف، يُفضل آخرون ملاحقة “الترند” من أجل تحقيق مشاهدات سريعة، حتى وإن كان هذا المحتوى بعيدا عن الفائدة.
وقد أثار هذا الأمر انتقادات واسعة داخل المجتمع الجزائري، خاصة عندما يتحول المحتوى إلى وسيلة للبحث عن الشهرة فقط، دون مراعاة القيم أو الرسائل التي يتم تقديمها، خصوصا فئة المراهقين والأطفال.
ويرى المختصون أن المشكلة لا تكمن في صناعة المحتوى بحد ذاتها، بل في طريقة استخدام هذه المنصات، إذ يمكن أن تكون أداة للتعلم والابداع، كما يمكن أن تتحول إلى مضيعة للوقت إذا غاب الوعي والمسؤولية.
الدراسة أولا.. والتوازن ضرورة
أكثر ما يشغل الطلبة وأولياؤهم هو تأثير صناعة المحتوى على مسارهم الدراسي، فصناعة الفيديوهات والتفاعل المستمر مع المتابعين يتطلبان وقتا وجهدا كبيرين، ما قد ينعكس سلبا على التركيز والتحصيل العلمي لدى البعض.
لكن بالمقابل، استطاع عدد من الطلبة تحقيق توازن بين الدراسة والنشاط الرقمي، من خلال تنظيم الوقت وتحديد الأولويات، بل إن بعضهم استغل تخصصه الجامعي في صناعة محتوى مفيد، مثل تبسيط الدروس أو مشاركة نصائح وتوجيهات للطلبة الجدد.
ويؤكد العديد من الشباب أن النجاح الحقيقي لا يكون في عدد المتابعين فقط، بل في القدرة على تطوير الذات وبناء مستقبل مهني مستقر.
نحو مستقبل رقمي جديد
أصبحت المهن الرقمية اليوم من أسرع المجالات نموا في العالم، ولم تعد الوظائف التقليدية وحدها خيار الشباب، فالعمل عبر الأنترنت وصناعة المحتوى، والتسويق الرقمي، كلها مجالات باتت تستقطب اهتمام الطلبة الجزائريين الذين يسعون إلى مواكبة التطورات الحديثة.
كما ساهم انتشار الأنترنت والهواتف الذكية في تسهيل دخول الشباب إلى هذا العالم، ورغم استمرار بعض التحديات مثل ضعف وسائل الدفع الإلكتروني أو محدودية فرص التكوين المتخصص في المجال الرقمي داخل الجزائر.
ومع ذلك، يبقى الأكيد أن الجيل الجامعي الحالي يعيش تغيرات كبيرة تختلف عن الأجيال السابقة، حيث أصبح الهاتف أحيانا وسيلة للتعلم والعمل في آن واحد.
شباب يصنع فرصته بنفسه
في وقت يبحث فيه كثير من الشباب عن فرص لإثبات قدراتهم، تبدو صناعة المحتوى بالنسبة لبعض الطلبة نافذة جديدة نحو تحقيق الطموحات وإبراز المواهب، غير أن النجاح في هذا المجال لا يعتمد فقط على الشهرة والانتشار، بل يحتاج إلى الالتزام والوعي واحترام أخلاقيات التواصل.
ويبقى الطالب الجزائري اليوم أمام تحد حقيقي، كيف يستفيد من العالم الرقمي دون أن يفقد تركيزه على مستقبله الدراسي؟ سؤال يطرحه واقع جديد فرضته التكنولوجيا، وأصبح جزءً من الحياة اليومية داخل الجامعة الجزائرية.
لمياء. ب






